فالحديث لا يعني بحال أن يكون تفرق الأمة وتسلط بعضها على بعض أمرًا لازمًا ودائمًا وعامًا، يشمل كل الأزمنة وكل الأمكنة، وكل الأحوال، وإلا لم يكن هناك معنى لنصوص الأمر بالاعتصام والاجتماع والنهي عن التفرق والاختلاف، وما أكثرها! ولكان ذلك في حكم تكليف ما لا يطاق، وهو من العبث الذي تُنزه عنه شريعة الإسلام، بل وأحكام العقلاء..
فهذا الداء الذي تصاب به الأمة بسبب تفريطها في الالتزام والاعتصام قد يحدث في مكان دون مكان، وفي زمان دون زمان، وبين قوم معينين دون غيرهم..
وفي بعض الأحاديث ما يؤكد أن جعل بأس الأمة بينها يكون عقوبة من الله لها على انحرافها عن شرعه، كما في حديث ابن عمر مرفوعا: (( وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم ) ).
كما أن أحاديث أخرى بشَّرت بغلبة الأمة وعلو كلمتها وبسط سلطانها، وأنه سيبلغ ما بلغ الليل والنهار، وستفتح رومية، ولا يبقى بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين.. فهذا الفتح حينما يستقيم أمر الأمة، وتلك العقوبة والانحسار حينما تنحرف الأمة.. فلكلٍ أسبابه ودواعيه، والحبل بيد الأمة إن شاءت شَدَّته، وإن شاء أرخته، أو تركته.. (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا ومن كفر بعد ذلك فأؤلئك هم الفاسقون) [سورة النور: 55] . (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور) [سورة الحج: 41] .
وأخيرًا..
إن دواعي الاتفاق والاجتماع لدينا أكثر وأعمق مما عند غيرنا من الأمم والحضارات، ومع ذلك اجتمعوا وافترقنا، وتضامنوا وتنازعنا، وتناسوا ما كان بينهم، ونحن نحرص على بعثه وإثارته وتحريك الصدور به.. فما زادنا ذلك إلا فشلًا وذهاب ريح..