هل تفرق الأمة قدر لازم؟ [1]
قد يتصور بعض الناس أن تفرق الأمة أمر لازم فرضه القدر وأخبر به الشرع، فلا مناص منه، ولا مهرب منه، وربما استدلوا على ذلك بالأحاديث التي فيها الإخبار بوقوع البأس بين الأمة، مثل حديث: (( سألت ربي ثلاثا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة، سألت ربي أن لا يُهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يُهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألتها أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها ) ) [2] .
وفي حديث آخر: (( سألت ربي عز وجل ثلاث خصال، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة. سألت ربي عز وجل أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا، فأعطانيها، وسألت ربي عز وجل أن لا يظهر علينا عدوا من غيرنا، فأعطانيها، وسألت ربي عز وجل أن لا يلبسنا شيعًا فمنعنيها ) ) [3] .
فإن كان الله قد ضمن للأمة عدم الاستئصال بالكوارث الطبيعية، أو بالعدوان الخارجي، إلا أنه لم يضمن عدم الاستئصال بواسطة أنفسهم، وهو ما عبر عنه بالبأس الشديد بين أطراف الأمة، حتى يكون بعضها يُهلك بعضها، ويُسبي بعضها بعضًا.
والجواب أن يقال: إن الله علَّق عصمة الأمة من الاستئصال الداخلي بالاستجابة لأمره والالتزام بشرعه، فأمرُها بيدها إن هي أرادت العصمة، متعلِّق بها، عليها أن تؤدي شرطه؛ وهو الالتزام بالدين، والاعتصام بالوحدة والاجتماع، فإن فعلت ذلك عزَّت وسادت وانتصرت على عدوها، وإن أهملت ذلك الالتزام وذلك الاعتصام ذاقت وبال أمرها، وكانت هي السبب في هذه العقوبة..
(1) انظر: الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والاختلاف المذموم ص: 30 وما بعدها.
(2) صحيح مسلم كتاب الفتن ح: 2889.
(3) ذكره ابن كثير في تفسير الآية 65 من سورة الأنعام 2/141.