فهرس الكتاب
وَانْظُرُوا بِعَيْنِ التَّفَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ: لَو أَنَّ طَبِيبًا مُشْرِكًا، عَفَاكَ عَن تَنَاوُلِ الفَاكِهَةِ، لِأَجْلِ مَرَضٍ مِنْ أَمْرَاضِ الجَسَدِ لَأَطَعْتَهُ، فَتَعْتَزِمُ عَزْمًا جَازِمًا أَن لَا تَتَنَاوَلَ شَيْئًا مِنَ الفَاكِهَةِ مَا دُمتَ فِي مَرَضِكَ، فَتَلجَأُ إِلَى الحِمْيَةِ، فَمَا بَالُكَ لَا تَتْرُكُ مَا نَهَاكَ عَنْهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وَأَصْدَقُ القَائِلِينَ؟! لِأَجْلِ مَرَضِ القَلْبِ: الَّذِي إِذَا لَمْ تُشْفَ مِنْهُ، فَأَنْتَ مِنَ الهَالِكِينَ.
وَلِلّاهِ دَرُّ القَائِلِ:
جِسْمُكَ بِالحِمْيَةِ حَصَّنْتَهُ ... ... مَخَافَةً مِن أَلَمٍ طَارِي
وَكَانَ أَولَى بِكَ أَن تَحْتَمِيَ ... ... مِنَ المَعَاصِي خَشْيَةَ النَّارِ
فَكَيْفَ تَسْلُكُ سَبِيلَ المَعَاصِي، وَكُلُّهَا مَعَاطِبُ وَمَهَالِكُ، وَآفَاتٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلَا تَحْتَمِي مِنْهَا؟!
فَيَا مَنْ خَلَطَ فِي مَرَضِهِ وَمَا احْتَمَى، وَلَا صَبَرَ عَلَى مَرَارَةِ الدَّوَاءِ! أَلَا تَنكِرُ قُرْبَ الهَلَاكِ؟! فَالدَّاءُ مُتَرَامٍ إِلَى الفَسَادِ. فَإِنَّمَا يَنْتَفِعُ المَرِيضُ بِشُرْبِ الدَّوَاءِ، بَعْدَ الحِمْيَةِ مِنْ أَسْبَابِ الدَّاءِ.
فَمَنِ امْتَثَلَ الأَوَامِرَ، وَاسْتَعْمَلَ الحِمْيَةَ بِاجْتِنَابِ النَّوَاهِي، وَاسْتَفْرَغَ التَّخْلِيطَ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، لَمْ يَدَعْ لِلْخَيْرِ مَطْلَبًا، وَلَا مِنَ الشَّرِّ مَهْرَبًا.
«وَلَوْ تَفَطَّنَ العَاقِلُ اللَّبِيبُ لِهَذَا حَقَّ التَّفَطُّنِ، لَأَعْطَاهُ حَقَّهُ مِنَ الحَذَرِ وَالجِدِّ فِي الهَرَبِ» [1] .
(1) ... «بدائع الفوائد» (2/712) .