الصفحة 40 من 49

التَّاسِعُ عَشَرَ: أَنَّ العَاصِي دَائِمًا فِي أَسْرِ شَيْطَانِهِ، وَسِجْنِ شَهَوَاتِهِ، وَقُيُودِ هَوَاهُ؛ فَهُوَ أَسِيرٌ مَسْجُونٌ مُقَيَّدٌ، وَلَا أَسِيرَ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ أَسِيرٍ أَسَرَهُ أَعْدَى عَدُوٍّ لَهُ، وَلَا سِجْنَ أَضْيَقُ مِنْ سِجْنِ الهَوَى، وَلَا قَيْدَ أَصْعَبُ مِنْ قَيْدِ الشَّهْوَةِ. وَالمَحْبُوسُ مَنْ حَبَسَ قَلْبَهُ عَن رَبِّهِ، وَالمَأْسُورُ مَنْ أَسَرَهُ هَوَاهُ. فَكَيْفَ يَسِيرُ إِلَى اللّاهِ وَالدَّارِ الآخِرَةِ: قَلْبٌ مَأْسُورٌ مَسْجُونٌ مُقَيَّدٌ؟! وَكَيْفَ يَخْطُو خُطْوَةً وَاحِدَةً؟!

العِشْرُونَ: ظُلْمَةٌ فِي القَلْبِ. «فَالقَبَائِحُ تُسَوِّدُ القَلْبَ، وَتُطْفِئُ نُورَهُ» [1] . وَ «إِذَا أَظْلَمَ القَلْبُ، أَقْبَلَتْ سَحَائِبُ البَلاءِ وَالشَّرِّ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ» [2] ، فَلَا يَجِدُ لَذَّةً لِطَاعَةٍ وَلَا حَلَاوَةً. فَإِنَّ الطَّاعَةَ نُورٌ، وَالمَعْصِيَةَ ظُلْمَةٌ، ثُمَّ تَقْوَى هَذِهِ الظُّلْمَةُ حَتَّى تَظْهَرَ فِي العَيْن، ثُمَّ تَقْوَى حَتَّى تَعْلُوَ الوَجْهَ، وَتَصِيرَ سَوَادًا فِي الوَجْهِ، حَتَّى يَرَاهُ كُلُّ أَحَدٍ. فَإِذَا كَانَتْ عِنْدَ المَوْتِ، ظَهَرَتْ فِي البَرْزَخِ، فَامْتَلَأَ القَبْرُ ظُلْمَةً، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ هَذِهِ القُبُورَ مَمْلُوَءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللّاهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنَوِّرُهَا لَهُم بِصَلَاتِي عَلَيْهِم» [3] ؛ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ المَعَادِ: وَحُشِرَ العِبَادُ، وَعَلَتِ الظُّلْمَةُ الوُجُوهَ عُلُوًّا ظَاهِرًا يَرَاهُ كُلُّ أَحَدٍ، حَتَّى يَصِيرَ الوَجْهُ أَسْوَدَ مِثْلَ الحُمَمَةِ (أَي: الفَحْمَةِ) .

(1) ... «تهذيب المدارج» (1/465) .

(2) ... «الجواب الكافي» (ص 260) ، بتصرُّف يسير.

(3) ... رواه مسلم (956) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت