الصفحة 35 من 79

ولما قيل لهم: كيف أتى محمد بهذا القرآن من عند نفسه، وأنتم تقرون أن أسلوب القرآن في الذروة من البلاغة، والفصاحة وعلو الأفكار، وقوة التعبير، فلا يوجد فيه لفظ ركيك، ولا فكرٌ سخيفٌ، بالإضافة إلى تناوله أكثر القضايا من العلوم والمعارف المختلفة في الماضي والحاضر والمستقبل؟

قالوا: إن محمدًا كان عنده عبقرية خارقة، وحِدَّة في الذكاء، ونفاذ في البصيرة، كل ذلك مكَّنَه من وضع القرآن على هذه الطريقة.

-ومنهم من قال: كان ساحرًا لَبِقًا فجاء به، فما هو إلا سحر من كلامه.

-ومنهم من قال: إنما جمعه من البيئة المكية التي كانت تعج بالرهبان والقسيسين.

-ومنهم من قال: إنه كلام عربي نَظَمه محمد شعرًا.

-ومنهم من يرى أن إبداع محمد في تأليف القرآن يرجع إلى استخدامه ما في البلاغة والشعر من ثروات فنية.

خلاصة هذه الآراء: أن محمدًا بعبقريته الفذة، وفطرته السليمة، كان المصدر الوحيد للقرآن، جاء به من عند نفسه، بطريق الإلهام، أو من تأثير البيئة التي نشأ فيها، وليس وحيًا إلهيًا من عند الله؛ اعتمادًا على القول بعبقريته وصفاء نفسه [1] .

إن هذه الدعوى التي تبنَّاها جمٌّ غفير من المستشرقين بتكذيب صاحب الرسالة وإلصاق كل التهم به، بأنه افترى القرآن من عند نفسه، آراء لا تستند إلى حجج ولا

(1) انظر: نذير حمدان، الرسول في كتابات المستشرقين ص 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت