فهرس الكتاب
إن دعوى المستشرقين هذه في الوحي النفسي تشاكل دعوى المشركين في اتهامهم الرسول بالجنون؛ لأن المشركين زعموا أن بعض الجن يتراءى له فيوهمه أنه رسول [1] ، والمستشرقون لم يبعدوا النجعة عن قولهم، والظاهر أنهم قد ولّدوا رأيهم من رأيهم ولم يختلفوا عنهم بشيء، فهؤلاء عبّروا حسب مفاهيمهم بـ (الوحي النفسي والرؤى والخيالات) ، وأولئك عبروا وفق مفاهيمهم أيضًا بـ (الجن والشياطين) وكانوا يسمون التابع من الجن (رَئِيًّا) ، وقد ألزمهم الله الحجة [2] بقوله تعالى: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} [الشعراء: 210- 212] .
إن الأدلة النقلية والعقلية أكدت انتفاء أن يكون الوحي من داخل نفس محمد صلى الله عليه وسلم؛ فأعراض الوحي الظاهرة عليه، والتي لا دخل له بها تؤكد أن الوحي خارج عن ذاته، ولو كان الأمر كذلك لكانت طوع بنانه، يأتي بشيء جديد من الوحي في أي وقت يشاء بهذه الطريقة، والكل يعلم أنه كان يمر بظروف معينة أحوج ما يكون فيها إلى شيء من الوحي [3] فلا يأتيه [4] .
(1) جاء في سيرة ابن هشام (1/ 313 - 315) على لسان عتبة بن ربيعة سيد قريش ومحاورها للإصلاح بينهم وبين الرسول، ومما عرضه عتبة: وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه ولا تستطيع رده عن نفسك طلبنا له الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه!
(2) حسن عنز، وحي الله 155.
(3) هدى مرعي، الأدلة على صدق النبوة ص 507.
(4) مثل تأخير الوحي في حادثة الإفك عندما رمى المنافقون زوجته بالفحش وهو بأمس الحاجة إليه، فماذا كان يمنعه من إنزال براءتها من التهمة لو كان القرآن من عنده؟.