فهرس الكتاب
وتصل إلينا هذه المواجهة من خلال صورة اللاوعي الجمعيّ، التي تؤثر روحها بطريقة غير مباشرة في شخصية مصطفى سعيد. ويعني هذا أنَّ مصطفى سعيد نفسه هو نتاج هذه المواجهة التي سبقته ولاحقته وظلّت تلاحقه، وأنها ليست من نتاجه كفرد. وعلينا هنا أن نميّز بين التاريخ والأسطورة ، فمصطفى سعيد ليس شخصية تاريخية أو شخصية روائية في سياق تاريخي يروي علينا التاريخ فحسب.ومهما تميز سلوك مصطفى سعيد بالفردية أو الذاتيّة، إلاَّ أنََّه في أصله سلوك لا وعي جماعي، فعلاقته مع النساء (وكل واحدة تمثّل حالة خاصة تختلف عن سواها) لا تمثّل حبًَّا ولا رغبة جنسية ولا طمعًا في الزواج، بل إنها مجتمعة توصل، في اصطلاح شتراوس، رسالة (message) ، وهي في مجموعها تشكّل ما يعرف بالإشارة"بالمدونة" (code) ، ويمكن النظر إليها من خلال اصطلاح نحته إيجلتون وهو (Mythemes) .
وبالرغم من أنَّ مصطفى سعيد شخصية قوية ترسخ معالمها في الأذهان من أول لقاء له مع الراوي في القرية، فإنّه ليس كباقي الشخصيات في الروايات العربية التي يمكن أن تطابق واقعًا تاريخيًا معينًا، أو تحاكي مشكلة مأمونة تجعلنا نقول إنها أقرب إلى الحقيقة من الخيال.إنَّ ما يسهَّل علينا أمر التعامل مع مصطفى سعيد، هو منظور الشخصية الأسطوري الذي ينظر إلى الأسطورة على أنها قيمة (value) لا حقيقة، ويمكن أن نقول إنَّه يشبه"الشاهد الغائب"، وهو المنظور الحديث للأسطورة عند بارت. وغياب الشاهد في"موسم الهجرة إلى الشمال"، هو ربما يحافظ على وجود التناقض في العلاقات المختلفة في حياة مصطفى سعيد، تلك العلاقات التي تلحّ بسبب تناقضها على توفير التأويل وتظلّ مستمرة في إلحاحها دون جدوى.