فهرس الكتاب
واللاوعي عند مصطفى سعيد ليس من النوع الذي يخضع للاشتقاق، بمعنى أن يكون السلوك الظاهري مرتبطًا أو معبّرًا عن اللاوعي المكبوت كشعور القهر الداخلي، أو أنَّه ليس من اللاوعي السيكولوجي الاشتقاقي؛ وهو أقرب إلى يونغ منه إلى فرويد بسبب قيمته التصويرية (visionary) التي تسمو على الاشتقاقية (derivative) وربّما يكون أقرب إلى القيمة التركيبية (structural) ، التي تتطلّب النظر إلى قيمة العلاقات بين الأجزاء (relational) من أجل الوصول إلى منظورها الكلي، ومن هنا يمكن قراءة موسم الهجرة إلى الشمال من خلال منظور متقدّم للغة يرى الرواية أمرًا بنيويًا لا يشتقّ من أصل معيّن، ولا يستهلك بعد الفراغ من سرد حوادثه. فالسرّ في حياة مصطفى سعيد يظلّ سرًا في جميع القراءات، وبقدر ما تقربنا الرواية من سرّ الهجرة نفسها وسرّ العودة بعينها، والذكاء ذاته، والرعب الرعب (كلمات كونراد، The terror the terror) فإنها تبعدنا عن شخص مصطفى سعيد، إذ نعرف أنفسنا به دون أن نعرّفه بنا، وهو قريب جدًا إلينا بلا وعيه وبعيد عنّا بشخصيته، وعلى كل حال، فلابدَّ من بعض التفاصيل لهذه العجالة.
سرّ كل هذا الإقبال على موسم الهجرة إلى الشمال، ربّما يعود إلى المزاوجة بين سحر الفنّ القصصي التقليدي وسرّ الشخصية القصصية في فن الرواية الحديث. يجمع الطيب صالح بين سحر الماضي وسرّ الحاضر، بطريقة تلتقي فيها عفوية الواقع ـواقع الحياة التي نعيشها ـ مع عفوية الخيال، لا عفوية الفن الذي يقودنا عادة إلى أبعد مما نرى ونسمع ونعلم ونألّف، وهكذا يتداخل الواقع والخيال، ليدعم أحدهما الآخر ويسمو به إلى ماهو أبعد وأسمى.