فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 234

والدهشة لا يستوعبها في أبعادها العميقة، إلاَّ من أوتي الذكاء والفطنة، وهي إحساس يتميّز بالحيادية التي تبتعد بدورها عن التوجيه الأخلاقي. هي ردّة فعل أكثر من فعل مباشر، وهي استيعاب شعوري لا عقلاني لواقع معين يجعل صاحبه في منزلة تطلّ على الواقع من خلف حجاب، يرى الواقع بإحساس يختلف عن رؤية العين المجرّدة المألوفة. يرى الواقع بهذا الإحساس في الوقت الذي يراه الواقع بالعين المجرّدة، وهنا يمكن أن نقترب من وصف الطيب صالح لشخصية مصطفى سعيد بأنها طاقة.

وخير سبيل للحفاظ على هذه الدهشة هو تحويلها إلى قصّة، تمّ تفصيلها من خلال روايتها والاستماع إليها، وإدخالها حيّز النقل، من راوٍ إلى مستمعٍ إلى راوٍ وهكذا. وموسم الهجرة رواية محكمة لا يتم معرفة سرّها من خلال روايتها، فالراوي فيها ينقل دهشة، ولا يبوح بحدث أو بسرّ كان مخفيًا وأصبح معروفًا، من أجل ألاَّ ينتهي الأمر عند هذا الحدّ، وكي لا يصبح النصّ الروائي مستهلكًا بعد معرفة ما جاء فيه.

ليس بالضرورة إذن أن يستطيع الراوي التعرّف إلى روايته من خلال العملية الروائية، خصوصًا عندما لا تكون استراتيجية العمل الروائي حكاية عن الماضي وحكاياته، وزمنه القديم"يحكي في قديم الزمان...."، تحكي وتعرّف في الوقت نفسه. ربمّا يحاول الراوي فعلًا أن يتعرّف على مادة روائية من خلال العملية الروائية نفسها، كما يفعل مارلو في قلب الظلام، ولكن الظلام يظلّ دامسًا، ولا يمكن التعرّف إلى الظلام من خلال التوغّل في أعماقه ـ ذلك التوغّل الذي يزيد الظلام ظلامًا! ولكن مارلو ينتهي بدهشة ربما كانت أعمق من الدهشة التي بدأ فيها رحلته إلى قلب الظلام. وهذه هي المفارقة الكبرى في الحياة وفي الفنّ وهي أشبه بالعلاقة التي تنشأ من النشاط المتجدّد في اللغة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت