فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 234

وفي اعتقادي أنَّ أقرب مدخل لشخصية مصطفى سعيد ومحاولة التعرّف إلى أسرارها، ربّما يأتي من خلال النظر إليها على أنها شخصية تمثّلت رعب القصّة بكاملها، وأصبح هذا التمثّل أشبه بجرثومة المصل المضاد، أي أنَّ هذا التمثّل نزع من قلبه كل خوف، وغرس فيه رغبة المجابهة والتحدّي، وتصوّر نفسه غازيًا بعد أن شعر أنَّه نجا من الرعب الذي مارسه عليه الاستعمار، وأصبح يعرف الرعب منفصلًا عن مصدره، أي أنَّه أصبح مستوعبًا للرعب دون أن يخشى فاعله، والرعب هنا أشبه بدهشة كبرى يضيع الخوف في مداها. ومنذ أول لقاء مع مصطفى سعيد نشعر أنَّه يعيش في دهشة لا يستطيع أن ينقلها إلاَّ لمن توسّم فيه القدرة على حمل الأمانة، ومن هنا نجد مصطفى سعيد يعيش مع أهل القرية وبينهم وكأنّه يمارس طقوسًا أسطورية، مخفيًا هذه الدهشة خلف قناع الحياة العادية، وبل ويمتنع عن الشرب في مجالس أهل القرية كي لا تطفو هذه الدهشة على السطح وتكشف عمّا يعتمر في داخله، ويبني مصطفى سعيد لنفسه بيتًا خاصًا في القرية أشبه بمزار يعيش فيه مع هذه الدهشة، ويظلّ محتفظًا بها إلى أن يقابل الراوي. وحياة مصطفى سعيد هذه من جهة نظر أدموند ليش في الأسطورة هي طقوس من شأنها المصالحة مع الواقع وإزالة التناقضات التي يمكن أن تنشأ مع المجتمع لو أماط اللثام عن وجهه.

يعيش مصطفى سعيد كل حياته في الشمال في هذه الدهشة التي تشكّل حاجزًا بينه وبين كل ارتباط له مع المجتمع، دون أن يكون هنالك مجال لأي علاقة تقلّل من حجم هذه الدهشة أو حدّتها، فهي آخر ما تبقّى من شكل لتاريخ المجابهة بين الجنوب والشمال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت