فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 234

ويبقى السؤال حول استيعاب مصطفى سعيد للغرب واستعماره ومجابهته قائمًا. إذا كان المفهوم بالاستيعاب فلسفة الأمر وعدم تبريره والوصول إلى كنهه بطريقة مجرّدة تخضع لمقدمات ونهايات، فهذا لا يدخل في حساب الاستيعاب لدى مصطفى سعيد. استوعب مصطفى سعيد الأمر مع الغرب، من خلال تمثّله وتمثيله وروايته لقصة المجابهة، وهذا لا يعني أ نَّه استطاع أن يصل إلى كنه القصة، ولم يكن هذا في حسابه أصلًا. ولو كان الأمر كذلك لتحوّلت الرواية في أغلبها إلى مناقشات كالتي بين محسن في عصفور من الشرق وصديقه، إذ انتهت ببيانات تبادلها الطرفان حول الموضوع. لاحظ مصطفى سعيد مثلًا أنَّ المحكمة أشبه بملودراما، لذلك لم يجد مجابهة لهذا الموقف إلاَّ بمثله.

قصة الاستعمار، كما استوعبها مصطفى سعيد، قصة رعب. وأبلغ تعبير عنها ما جاء على لسان كورتز في قلب الظلام عندما خلص إلى أنَّ القصة من أولها إلى آخرها تتلخّص في كلمة أعادها على نفسه، وأصبحت نبراسًا يتمثّله مارلو عندما قال كورتز عبارته المأثورة:"ياللرعب ياللرعب"، والتقطها إليوت نفسه، واستخدمها في الأرض اليباب. رأى كورتز (وهنا يشهد شاهد من أهله) أنَّ اعتداء الرجل الأبيض على الرجل الملوّن وسلب مصادر رزقه وتنصيب نفسه وصيًا عليه، يمثّل رعبًا لا مثيل له، يجرّد الرجل الأبيض من إنسانيته، ولم يجد كورتز في القاموس غير كلمة واحدة يصف بها الموقف وهي الرعب. وقد أعجب مارلو بكورتز لقدرته الفائقة على تلخيص موقف معقّد كهذا بكلمة واحدة وعَدَّه إعجازًا لغويًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت