فهرس الكتاب
وفي إحدى المناسبات عبّرت للطيب عن إعجابي بمشهد المحكمة، ودقّة صنعه، فذكر لي كيف أنَّه قضى أشهرًا وهو ينقِّب في سجلات المحكمة القديمة بلندن (Old Bailey) ومكتبة المتحف البريطاني، ولكنه قرّر في النهاية أن يكتب المشهد دون الرجوع إلى السجلات المكتوبة. وربمّا كان هذا هو ما جعل المشهد يحتفظ بكل هذه البساطة التي تخفي وراءها سرًَّا يجدر بالقارئ ألاَّ يضيّع الفرصة على نفسه في تحسّسه، وألاّ يدع المشهد الحيّ المثير يطغى على ما يخفيه الظاهر من القول. كلمات مصطفى سعيد تقول لنا دون صريح العبارة: إنّني أنا مصطفى سعيد الذي أمثل أمامكم في المحكمة أعرفكم، وإنكم أنتم تتجاهلونني، ولكنّي سأحرمكم من امتياز الصراحة، ولن أقول لكم إنّني أعرفكم وإنكم تتجاهلون معرفتي كتاريخ هو من صنعكم وصنيعكم. إذا كنتم تطلعون عليّ بملودراما تخفي زيفكم وتجاهلكم للتاريخ، فأنا أردّ عليكم بالمثل.
وهنا نتذكّر ما قاله الطيب من أنَّ مشكلتنا مع الغرب هي مشكلة تواصل