فهرس الكتاب
ولمشهد المحكمة بُعد خاص ربّما يضيع مغزاه وسط المشاعر المتأجّجة التي تبرز أثناء المحاكمة، فتبدو العملية وكأنَّها إثارة وحسب. إنَّ صيحة مصطفى سعيد توحي لنا أنَّ المحكمة ماهي إلاَّ قناع حضاري يخفي الغرب المستعمر وجهه الحقيقي خلفه، وكأنَّ مصطفى سعيد يقول للمحكمة إنَّ الذي ترون أمامكم ليس فردًا اسمه مصطفى سعيد بل هو التاريخ. ومن يحاكم التاريخ؟ لذلك قال مصطفى سعيد إنَّ عطيلًا أكذوبة، أي أنَّ العلاقة بين الغرب والشرق ليست علاقة غرامية فردية رومانسية كالتي بين عطيل الأسود وديدمونة البيضاء، ولا هي أيضًا علاقة عدوانية كالتي بين مصطفى سعيد والنساء الأوروبيات. إنها علاقة شائكة، وإنْ احتاجت إلى محكمة، فيجب ألاَّ تكون محكمة الرجل الأبيض التي يعدّها للرجل الملوّن لتضفي شرعيّة على سلوكه. من يحاكم من؟ صيحة مصطفى سعيد تقول: ألم ينته الرجل الأوروبي المستعمر إلى شريعة الغاب، على الرغم من كل محاكمه وقوانينه الحضارية؟ ألم يقم السفّاح ستانلي مثلًا بإبادة قرى كاملة في الكونغو في أواخر القرن الماضي، وكاد يدفن في مقبرة وستمنستر، مقبرة العظماء الأجلاء، لولا احتجاج من كاهن المقبرة بسبب جرائمه المعروفة؟