فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 234

من الأسئلة الجادة التي تثور حول شخصية مصطفى سعيد أسئلة تتعلّق بقدرته على استيعاب قصّة الغرب واستعماره. استوعب مصطفى سعيد (المعنى هنا اصطلاحي وليس قاموسيًا) الغرب من خلال الدخول معه في مواجهة (لا مجادلة) ، عاشر نساءه من مختلف الفئات، جادل أساتذته في أكسفورد، ردّ على القاضي والمحلّفين في المحكمة، خبر من خلال تجربة المواجهة المباشرة الروح المعادية المبطّنة (المؤدّبة في ظاهرها أحيانًا) ، التي تشكّل للعربي الإفريقي هوية هزيلة وكأنها صدقة من بني بشر الغرب لغير البشر من غير الغرب. عندما صاح مصطفى سعيد في المحكمة أن اقتلوا هذه الأكذبوة هذا المصطفى سعيد الذي تعرفون، كان يعرف أنَّ الشخص الماثل أمامهم ماهو إلاَّ صورة زائفة (effigy) تخفي وراءها شخصًا آخر يجهلونه، وبقي هذا الموقف في الرواية سرًّا، لأنَّ الطيب أبقاه ممسرحًا ولم يحطه بأي خطابة كان من شأنها (لو فعل ذلك) ، أن توضّح الأمر وتفسده في الوقت نفسه. ويؤرّخ هذا الموقف نمطًا معيّنًا من سلوك الاستعمار الذي كان يتوهّم أنَّ الجناية هي في الجاني الماثل أمامه في محكمته، حيث هوية الجاني وجنايته والمحكمة ـ كلّها ـ من صنع الحاكم الذي تكمن الجناية أصلًا في عدوانيته، وكأنَّ صيحة مصطفى سعيد تقول لنا، إنَّ الاستعمار قضى تاريخه الطويل وهو يبحث عن الجاني دون أن يصل إلى نتيجة، لأنَّه كان يرفض دائمًا أنَّه الخصم والحكم، بل الجاني المنشود، وكأنَّه لا يعترف بمنظوره المقلوب الذي يحكم فيه على الأمور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت