فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 234

ويمكن للذكاء أن يسير في اتجاه معاكس تمامًا للاتجاه المذكور عند كونراد، فبدلًا من أن يكون قبولًا يكون رفضًا للاستعمار، فإذا كان الاستعمار ينشأ أصلًا بعون الذكاء والفطنة، فلابدّ للذكاء والفطنة أن يكون المعول المناسب لهدمه، بمعنى أنَّ الذكاء سلاح ذو حدّين، وإذا كان الذكاء قادرًا على تبرير فكرة الاستعمار، فإنَّه من الأوْلى أن يكون قادرًا على رفضها بل وحازمًا وجازمًا في ذلك، كما أنَّ الذكاء في حالة أبطال كونراد، يتحدّى كل المسوّغات التي تفنّد الاستعمار. إنَّ الذكاء في حالة مصطفى سعيد يتحدّى كل الإغراءات، التي يمكن أن تخمد صوته، والذكاء هنا أشبه بشعلة لا تطفئها كل رياح الشمال. نحن نعلم أن مصطفى سعيد لا يذعن لإغراء المال ولا الجاه ولا الجنس، فهو الشاب الوسيم الذكي العبقري صاحب المركز الأكاديمي المرموق، يملك القدرة ليس فقط على التحرّك في المجتمع الغريب، بل على اختراقه بكل يسر، كل ما يحصل عليه من مكاسب من المجتمع الذي يلفظه بكل إباء وشمم تعبيرًا عن وعيه برفض المجتمع الغربي له أصلًا، حتى لو أبدى قبوله له في ظاهر الأمر، وهو ـ كما يعتقد مصطفى سعيد ـ قبول مؤقت وزائف.

إنَّ أيَّ تأمَّل لخلفيّة الراوي، يبيّن لنا أنَّ الاستعمار سلوك ذكي انحرف بمسيرة الذكاء إلى ناحية الشرّ، واكتسب في هذه الأثناء عزيمة منحته قوة، بل تحوّلت هذه القوّة إلى فعل فتّاك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت