فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 234

ولم يخدع يومئذ، ولكنّه بقي يخشى أنّ ما يراه لن يكون في يومًا ما إلاّ خديعة. وقال لي يوم بلغت العشرين. وقد رزق بعدي بأربع سنوات بشذى:"لماذا لم أطلق عليك اسمًا أنت أحقّ به؟ ميّ، مثلًا، أو ريًّا، لأنني أرتوي بك كل يوم، يا حبيبتي، وأنت سراب!"

وقلت له:"أليست هذه هي المعجزة التي كنت تحلم بها؟"فهزّ رأسه ضاحكًا:"نعم، على عكس ما يحلم الناس!"ولم أدرك ما الذي قصد إليه ساعتئذ. أو لعلّه لم يكن يقصد أمرًا محدّدًا. ولكنّني أدركت فيما بعد الكثير ممّا لم يقله، أو لم يكن بوسعه التعبير عنه.

لماذا كان عليّ أن أولد لأروي ظمأ شخص آخر، حتى ولو كان أبي؟ وهل ارتوى بي فعلًا، كما يزعم؟ من الواضح أنّ أبي، رغم كل عمله الجراحي، في واد، وأنا في واد. وفي السنوات الأخيرة أخذ الجبل بين الواديين يرتفع بشكل ملحوظ. لا، ما عاد يهمّه ما كان يهمّه قبل ربع قرن من زمن رديء. قذف بي سرابًا إلى العالم، وبقيت سرابًا، رؤيا توحي بما ليس فيها. رؤيا مغرية، ربّما. ولكن لمن؟ ولي أنا، ألم أبقَ سرابًا، أركض في اتجاهه، ويبتعد بي، أركض مزيدًا، ولا أجد إلاّ أنني زدت توغّلًا في البلقع الذي لن يعرف الماء؟ أي مرايا دخلت، لا تؤدي إلاّ إلى المزيد من المرايا؟ ويتضاعف الخداع. يتضاعف الكذب. سأكون أكبر عاشقة في الدنيا حالما تتاح لي الفرصة: ولكن أين الطوفان الذي سألقي نفسي في خضمّه، في صحرائي اليومية العنيدة؟""

(ص 26-27)

هذه مكاشفة رائعة تبدو وكأنّها مكاشفة شخصية أو فردية، ولكنّها عامّة، وتلاحم العام والخاص عند جبرا، ظاهرة فنيّة تميّز كتاباته، وتبرز الصوت الروائي عنده منسابًا بعفوية تنسي القارئ وجود مسافة بين العام والخاص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت