فهرس الكتاب
وجبرا مثل ستندال، كأنّه جاء يرصد شخصيته من الخارج، وكأنّه يحدق في المرآة ليستدلّ على ما خلف الصورة التي تبدو ظاهرة للعيان، وربّما يكون جبرا أقل رغبة في محاولة كشف أسرار الشخصية والغوص في أعماقها للتعرّف على دوافع سلوكها، وكأنّه يؤمن بأنّه من حقّ الشخصية أن تخفي عنّا بل عن نفسها كوامن حياتها الداخلية. وهذا يؤكّد على فنيّة جبرا وحداثته في التمسّك بالمشهد الذي يروي الشخصية صورة بدلًا من أن يرويها قولًا صريحًا، لا يبقى لنا مساهمة في تصوّرها وتخيّلها. وبهذا أيضًا يبقي جبرا على الواقعية، ولكنّها الواقعية الجديدة المتجدّدة، فالصورة الخارجية ليست لذاتها ولا تنتهي المهمّة عند حدودها الخارجية بل هي مدخل لما لا نراه في المرآة، وهكذا تصبح المرأة وصورتها دليلين اثنين لما لا تراه العين.
يرصد جبرا الشخصية إذن من خلال التعبير عن إحساسها بالمشكلة، بالغصّة، بالمحنة، بالشعور العام للأسى والحزن. ولا يهتم جبرا بالتعبير عن كنهه مجرّدًا. ونجده أبعد الناس عن التحقيق مع الشخصية لمعرفة المشكلة قولًا وتجريدًا، ولا يضع في حسابه أن تبوح لنا الشخصية بما هو وراء أحاسيسها، وبمسبّباتها. فعلى الرغم من كل الصراحة التي تلتقي بها سراب عفان مع نائل عمران، فإنّ المخفي عنهما وعنّا أعظم، وهو السرّ الذي يجعلنا جميعًا نلهث وراءه.
ويمكن توضيح هذه الأمور جميعها، من خلال المصارحة التي تسجّلها سراب لنفسها، والتي تعبّر بأحاسيسها عن المحنة، في لقطات سريعة تختزل الأبعاد المختلفة للزمان والمكان، وتصوّر المحنة في أعماق أبعادها:
"لم يصدّق أبي أنّني ولدت حيّة يوم ولدت، لكثرة ما طرحت أمي قبل ذلك، وقال:"سمّوها سراب"، لأنّني أعلم أنني ما إن أصل إلى مستشفى الولادة حتى أجد أنني خدعت مرّة أخرى."