فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 234

تدخل بلدة في الجليل مثلًا تتحدّث مع أهلها وتجلس على المائدة معهم، وتدخل الحوانيت بأبجدية وجودك، كما قال محمود درويش أنّك عربي في بيت عربي في وطن عربي، وفجأة بعد أمتار من حدود البلدة، أو حتى في داخلها تنقلب الأمور عندما تداهمك سيارة جيش أو شرطة الآخر أو ما شابه ذلك، فتنقلب الأمور رأسًا على عقب وتدخل في دائرة التناقض العجيبة، فتتبدّد البديهيات وتنقلب المسلّمات إلى أوهام. والأسوأ من ذلك أنّ التناقض ليس كباقي التناقضات، وأنّ الأوهام ليست كباقي الأوهام تمتلك تعريفًا شبه متّفق عليه. فحتى الجنّة والجحيم في الآخرة بينهما فاصل، إلاّ في هذه البقعة من العالم تختفي التعريفات لكثرة ما تتشابك حدودها دون فاصل زماني أو مكاني. هذا ما يعنيه محمود درويش في عبارته"الذات لا الموضوع..."، لأنّه يدرك مثل إميل حبيبي أنّ الموضوع قد فُرِّغ ليس فقط من المعاني بل من منطق الكائنات وأصبح أشلاء تقتات عليه التعريفات.

لو نظرنا على سبيل المثال لا الحصر إلى حكاية مسرحية"لكَعْ بن لكَعْ: ثلاث جلسات أمام صندوق العجب"لوجدنا أنّ الكاتب قد تمثّل الواقع بكل ما فيه من متناقضات عجيبة. ولأول وهلة نجد إميل حبيبي قد جمع أجناسًا أدبية شتّى: حكاية مسرحية فيها السرد القصصي والمسرحية، بجانب أسطورة لكَعْ بن لكَعْ، وذلك من خلال الحكاية الشعبية في صندوق العجب. هذا هو العنوان تختلط فيه الأجناس الأدبية مثل ما هي أوراق الواقع مختلطة.

تبيّن لنا حكاية مسرحية القدرة الفنية على خلق تناغم استطاع إميل حبيبي من خلاله أن يعبّر عن الواقع الغريب الذي لم يجد له معادلًا موضوعيًا غير صندوق العجب. لا بدَّ أن إميل حبيبي قد أدرك عندما اختار صندوق العجب أنّ الحكاية الشعبية خير وأبقى؛ لأنها غير قابلة للاحتلال والتجريد، وهي تعيش مع الأجيال حكاءً شفاهًا من جيل إلى جيل كجزء من الذات التي لا يمكن أن تحاصرها الإقامة الجبرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت