فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 234

وللأغنية الشعبية، أو الأهزوجة تأثير أسطوري معروف. وفي دراسة سابقة عقدت مقارنة بين الغناء في أسطورة وجدو الإفريقية في جبينة والخرزة الزرقاء، ويمكن لهذه المقارنة أن تنسحب على كل الغناء في كتابات إميل حبيبي.

واستثمار إميل حبيبي للحكاية الشعبية هنا تميّز فني يذكرنا بما قام به تشوسر في حكايات كانتربري عندما استثمر ما كان حيًا من اللغة الإنجليزية في الجبال والمراعي، حيث يقوم المواطنون الإنجليز برعي المواشي لتقديم لحومها بعد تربيتها لأسيادهم الفرنسيين أصحاب الهيمنة اللغوية وغيرها من أنواع الهيمنة. كتب تشوسر حكاياته بالإنجليزية ترفدها الفرنسية لتقوم بدور الوسيط؛ لأنّ الإنجليزية لم تكن لغة كتابة وكانت غير معترف بها، وكان تشوسر يأمل مع الزمن أن تختفي اللغة الوافدة بعد أن يكون الناس قد اعتادوا على لغتهم الإنجليزية، التي كان الفتح النورمندي قد حرمهم منها، وهكذا استطاع تشوسر أن يثبّت أقدام اللغة القومية ويجعلها تنطلق من هذه البداية البسيطة. وبالمقارنة استطاع إميل حبيبي في الجزء الأول من صندوق العجب أن ينتقل بيسر وسهولة من نشيد المهرج وهو ينادي: قم تفرّج يا سلام على عجائب الزمان... إلى قصيدة توفيق زياد"أناديكم. أناديكم/ أشد على أياديكم...."هذه القصيدة التي يغنيها إمام عيسى المغنّي الشعبي شدّت إليها مئات الألوف من أبناء هذه الأمة وأصبحت شبه نشيد وطني في غياب أي نشيد وطني.

وعلى الرغم ممّا لهذا النشيد من قيمة فعلية في إيقاظ الشعور بالوضع، إلاّ أنّ الكاتب لا يجعله نهاية للجلسة أو لأي جزء منها، حيث لا تجيء نهاية هذا الجزء أحادية البُعد كبقية النهايات بل مركبة الأبعاد:

"وما أن يتلاشى هذا الصوت المتفجّر حتى تعود الحياة إلى تمثال المهرج. فنسمعه يعود إلى نداءاته: أناديكم. أناديكم! تعال يا بدر."

تعالي يا بدور! كأننا يا بدر، لا رحنا ولا جينا". (ص14) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت