فهرس الكتاب
نلاحظ هنا أنّ المهرج يستخدم ودون وعي منه، كلمات النداء في نشيد توفيق زياد. ولكن واقع الأمر، كما يراه إميل حبيبي، لا بد وأن يظل محتفظًا بحدوده المعقولة، فصندوق العجب لا يحقّق المعجزات: هو إثارة تبعث بها حكاية شعبية فيستثمرها إميل حبيبي ويحوّلها إلى إثارة فنية تؤدي إلى ميلاد نداء جادّ يخرج تلقائيًا من الفرجة المسلية. ويكفي أنّ المهرج أصبح يعرف النداء، وبدلًا من أن يشدّ الناس إليه بالصور الحسيّة أصبح يشدّ على أيديهم. ويحسن هنا أن نتذكّر عبارة محمود درويش التي نادى بها إميل حبيبي عندما قال:"وتعرف أنّ الذات، لا الموضوع، هي ما يجعل المرء يركض من المهد إلى اللحد بحثًا عن ذاته التي لا تجد ذاتها إلا إذا امتلأت بخارجها". إن ذات المهرج وذات المستمع على السواء تمتلئ بخارجها وهو نداء توفيق زياد، لا خارج للذات تملأ نفسها به غير هذا النشيد، فصندوق العجب لا يوجد فيه شيء يمكن أن يملأ الذات. وأكّد إميل حبيبي على ذلك بما قاله في الخاتمة"تعال يا بدر، تعالي يا بدور..."وما هذه الكلمات الأخيرة بكل ما يمكن أن تشيع من سلبية، إلاّ تأكيد غير مباشر على إيجابية النداء الذي سبق.
وهذه الخاتمة مثل بقية الخاتمات في صندوق العجب، وفي غير صندوق العجب، من حكايات إميل حبيبي وقصصه. فصندوق العجب لا موضوع فيه ولا موضوع له، بل هو رمز شعبي تملأ الذات نفسها بما يثيره الصندوق وعندما تنتهي هذه الوظيفة يرجع الصندوق كما كان، وكأنّه أشبه بعنصر مساعد (catalyst) ، وتبقى الذات بعد ذلك تنادي بنبض الحياة ممتلئة بما خلّفه الصندوق من وصل بها. هذه هي خاتمة القسم الثاني من الجلسة الأولى تنادي فيها بدور مَنْ حولها فتملأ ذاتها بهم، فيشتدّ النداء بأسًا وتصبح الذات وصلًا بغيرها ولغيرها: