فهرس الكتاب
"وفيما تكون ماضية تشقّ طريقها في وسط جمعنا. ونحن نشيّعها بنظرات الإعجاب، وبصفق الأيدي، إذا بها تلتفت نحو أولاد افترشوا الأرض بالقرب من مقاعدنا، الواحد أمام الآخر على طول الممرّ الذي يتوسط القاعة فتهتف بهم:"قوموا تفرّجوا على صندوق العجب... قوموا! لا تجعلوه يبقى عنكم كما بقي عنّي. قوموا! قوموا!" (23) ."
وهكذا بإشارة مسرحية تبدو وكأنّها عابرة جدًا، ولكنها غير ذلك أبدًا، تتركنا بدور بمنظور جديد لجيل جديد تدعوه أن يتيقظ لما فاتها هي فإذا هي وصل بين"ما كان وما كان سوف يكون"على حدّ تعبيرها في النداء. وهي إشارة تشبه الإشارة التي تقع في خاتمة"لكع بن لكع":"صندوق العجائب، الحاضر يعلم الغايب. الحاضر يعلم الغايب" (46) .
وكذلك تشبه نهاية"جبينه والخرزة الزرقاء"إذ ينهي الراوي قصّته بقوله:"وحين ودّعت ضيفتنا، وقد عادت إلى والدتها، قالت لي في استحياء:"
-أمّا جبينه الجديدة، فلم تكن هي التي احتفظت بالخرزة الزرقاء، فقلت لها:
-طريقي على عين الماء في الطرف الآخر من القرية. سأمرّ عليها، لعلّها الآن فاضت بالماء.
وعبرت على عين الماء ورفعت يدي محييًا، ما كان أحد يراني، فلم لا أحيي عين الماء؟ أمّا الوقوف على عين الماء حتى أرى هل عادت الحياة تدبّ فيه، فأجّلته إلى يوم آخر" (40) ."
هنالك عبارة أخرى لمحمود درويش بجانب العبارة المقتضبة الآنفة الذكر يمكن أن تقدّم قراءة متمكّنة لمنعطفات إميل حبيبي الفنية، وتقع هذه العبارة في نفس الموقع من التأبين. يقول فيها محمود درويش:
"هنا على هذه الأرض القديمة الصغيرة يجري الحوار بين الواقعي والخرافي، بين الزمني والروحي، بين النسبي والمطلق، بين الزائل والدائم، بين الحق والباطل، بين الحرب والسلام، وهنا.. هنا البداية والنهاية" (32) .