فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 234

هذه العبارة تصلح أن تكون مقدّمة لأعمال إميل حبيبي تصل البداية فيها بالنهاية والبحث بالبعث على إيقاع العودة الذي لا ينفكّ يتردّد نغمًا تملأ الذات حياتها به. وهي مكملة للعبارة التي سبق ذكرها"الذات لا الموضوع..."؛ لأنّها تؤكّد على وجود قطبي المعادلة وضرورة هذا الوجود من أجل توفير فرصة للانطلاق نحو منظور شمولي يتكوّن جرّاء التمحور حول الذات. عندما يخاطب محمود درويش إميل حبيبي قائلًا"وتعرف أنّ الذات، لا الموضوع، هي ما يجعل المرء يركض من المهد إلى اللحد بحثًا عن ذاته التي لا تجد ذاتها إلاّ إذا امتلأت بخارجها"، فإنّما ينوّه إلى أنّ إميل حبيبي كاتب ملتزم، لأنّه: أولًا ليس كالكتّاب التقليديين يهتم بالموضوع أو كالسياسيين ينطلق بمنصّة سياسية يعرف بها وتعرف به، وثانيًا أنّ ليس كاتبًا رومانسيًا يهرب بذاته مخلّفًا وراءه العالم الخارجي إلى غير عودة، وثالثًا أنّه ليس كاتبًا وجوديًا تنطوي الذات في كتاباته على ذاتها متخلية عن وجودها الخارجي تجنّبًا لشرهه وقمعه. الذات عند إميل حبيبي هي الأساس، فيها البداية وفيها النهاية. عندما تمتلئ بالواقع الخارجي تحسّ بوطأة الألم، وهذا الإحساس هو بداية الأزمة، وتتفاعل هذه الذات مع هذا الواقع بما فيه من ألم وحسرة وغبن وإنكار للذات وكل ما في الكلمة من معنى فتتفجّر الذات من داخلها، حيث يخرج الخرافي من الواقعي والروحي من الزمني والمطلق من النسبي والدائم من الزائل والحق من الباطل، ومن رحم هذه الذات تولد ذات جديدة تقف مشدودة بين الحرب والسلام (مع الاعتذار لمحمود درويش على هذه الصيغة المستوحاة من عبارته) . باختصار تكتسب الذات بُعدًا جديدًا يوصلها إلى وعي حواري أشبه بما يسميّه باختين ديالوجي يمتد فيه الخطاب إلى أبعد من القول أو الكلام الذي تستعين به الذات على التعبير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت