فهرس الكتاب
نقرأ عبد الرحمن منيف ونشعر على الفور أنّ الرواية وجدته، وأنّه وجد الرواية في آن واحد. إنّ التلقائية التي يقصّ بها علينا روايته تدلّل على أنّه حشد كل ما يلزم الرواية من تقنية، ووقف على حيثيات التاريخ والحياة الاجتماعية وسبر غورها، قبل أن يشكّلها من جديد ويكثّفها في نظرة شمولية تطلّ على واقع يتجدّد، بل ويتسارع في التجديد نتيجة التغيّر الذي حلّ به. في مدن الملح: الأخدود يذكر لنا عبد الرحمن منيف على لسان صبحي المحملجي الذي يعرف أكثر ما يعرف بكنية أطلقها عليه عبد الرحمن منيف، وهي الحكيم، أنّ التركيبة الاجتماعية تقسم إلى قسمين رئيسيين: الأولى، القشرة الصلبة، وهي شعب موران وحران التي تكوّن حياة المجتمع في هذين المكانين كظاهرة طبيعية ثابتة على مدى الدهر مهما قست الحياة الصحراوية على هذا الشعب الذي هو امتداد طبيعي وتاريخي لحياة الصحراء الأزلية؛ والثانية، هي كما يسمّيها الحكيم الصخرة الصلبة التي تتكوّن من السلطنة والسلطان والتي هي، كما يعتقد الحكيم، الأساس. فالقشرة مهما كانت صلبة تظلّ قشرة كما يوضّح الحكيم, وهنا تكمن المفارقة طبعًا، إذ إنّ الصلابة لا تتمثل في القشرة بل في الصخرة، لا في الشعب كما هو منطق الأحداث بل في الحاكم. وهذا هو بيت القصيد في مدن الملح وهذا هو من وجهة نظر الراوي الشمولية ومنظوره الفنّي المركز الذي ترتكز إليه بوصلة المفارقة. وهكذا تصبح التركيبة سلطان أو سلطنة (أرضية صلبة) أعوانًا خارجيين أو دخلاء أو غرباء، ومنافسين أو حاسدين أقل درجة من القشرة الصلبة إلى آخر ذلك من مسمّيات، وهم يستحوذون لسبب أو لآخر على الصخرة الصلبة.