فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 234

انطلق عبد الرحمن منيف من هذه التركيبة المعقّدة وجعل البترول قوة جاذبية مهيمنة مسيطرة على جميع الأطراف، مشكّلة مسرحًا للأحداث تتنافس وتتنافر وتتحارب هذه الأطراف عليه، كلٌّ يتّجه إلى التقرّب من الصخرة الصلبة، لأنها هي المسيطر المحرّك لوقود البترول، لو ظلّ الأمر على ماهو قبل البترول. بكل بساطة العلاقة بين السطح والعمق لما تطلّبت هذه العلاقة أكثر من ديوان شعر يلمّ أو يلملم حالتها. أمّا وقد فجَّر البترول أبعادًا بعيدة في هذه العلاقة فلم يبقَ إلاّ الرواية معينًا على الوصف والتعبير، إذ إنّ دهاليز الواقع الذي خلّفه البترول، لا يغطّيها إلاّ تقنية مفتوحة على كل التقنيات وأكثر من ذلك، فتقنية الرواية، كما نعلم مفتوحة أكثر من غيرها على الواقع المتشعّب الأطراف والزوايا.

لم ينظر عبد الرحمن منيف إلى البترول على أنّه مجرّد ثروة حلّت على البلاد فغيّرت حياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ونقلتها من بداوة بسيطة إلى حضارة معقّدة، ولم ينظر إلى البترول وانتشار تأثيره نظرة عالم السوسيولوجيا أو عالم الأنثروبولوجيا، بل إنّه رصد قوّته الخفيّة على النفس البشرية وتغلغله إلى أعمق دواخلها، وإلى خصوصية الفرد وأسراره الدفينة، وكأنّ البترول مناسبة تكشف لنا وللفرد نفسه عمّا كان خافيًا بداخله ينتظر فرصة تحرّك النوازع البشريّة البدئية الكامنة التي عاشت حبيسة الأنا مثل ما عاش البترول حبيس القشرة الأرضية.

بعبارة موجزة، لم يهتمّ عبد الرحمن منيف بصورة المنافع المادية التي كان من الطبيعي أن يكون البترول سببها كإنشاء البيوت الحديثة والقصور الشاهقة والجسور والطرق وما إلى ذلك، بل إنّ اهتمامه تركّز حول النسيج الرقيق في العلاقات الإنسانية بين الناس، نتيجة التماس الذي يحدث مع البترول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت