فهرس الكتاب
يذكّرنا عبد الرحمن منيف هنا، بالروائي كونراد الذي عالج تأثير المادة الخام الثمينة المستخرجة من الأرض في مستخرجها، وبيّن إيقاع الحياة الجديدة التي ينشأ من جرّاء وصوله أو حصوله على هذه المادة. وفي أهم عملين روائيين من أعمال كونراد، وربّما من أهم الأعمال الروائية في القرن العشرين، صوّر كونراد الصراع الأزلي الذي وقع فيه الرجل الغربي في المادة. ومن المعروف أنّ قلب الظلام ونوسترومو يتمحوران حول تهافت الرجل الغربي على ثروة العاج والفضة. ومن المعروف أيضًا أنّ هاتين القصتين تحكيان قصة الاستعمار ليس في جشعه بل في تحطيم إنسانية الإنسان نتيجة هذا الجشع. يذهب كورتز إلى الكونغو ممثّلًا للشركة الاستعمارية في برسل وفي ذهنه حلم وآمال عريضة، يظن بداية أنّ الرحلة إلى الأدغال سيكون لها أثر إيجابي في البشرية، إذ إنّه يظن بنفسه حاملًا مشعل الحضارة الأوروبية، مع أنّ مهمّته الحصول على أكبر كمية من العاج للشركة. وبُعيْدَ وصوله يتغيّر كل شيء بالنسبة لخطّته، ومن قبيل المفارقة يتحوّل كورتز إلى شخص أكثر همجية من أولئك الذي ظنّ نفسه محضّرًا لهم. وفي النهاية يصيح صيحته المشهورة"يا للرعب، يا للرعب"، أي الرعب من الاستعمار في أشكاله المختلفة، وما يجلبه من شرّ في النهاية حتى على من ينهضون به من أبنائه ويؤمنون به في البداية.