فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 234

صحيح أنّ الأمر اختلف كثيرًا عمّا حدث في حرّان أو رأس الطواشي، وعمّا حصل في بدرة وأم العوالي وعجرة، لأنّ كل بناء يشاهد هنا، أو كل شارع يشقّ، يضيف إلى الركام الموجود قروحًا جديدة وركامًا جديدًا، حتى لتبدو موران كالأحشاء المتناثرة، أو كأكوام القمامة في هذا المدى الصحراوي اللامتناهي. وهذا المنظر الذي يمرض أي إنسان مقيم، ويجعله في حالة من التوتّر والحزن، فلا يعرف هل يمكن بعد الذي حدث في هذه المدينة التي تعوّد عليها وألفها منذ أن فتح عينه على الحياة، أن تعود إلى حالتها السابقة، أو إلى شيء من الانسجام؟ والغريب الذي يصل إلى موران لأول مرّة، لا يعرف هل جنّ الناس فيها، فحمل كل واحد معوله وأخذ ينتقم من المدينة ويقوّضها دون رحمة وبأسرع وقت؟ حتى المهندسون، أو من يفترض أنهم كذلك، والذين يقودون مجموعات من البشر والآلات هنا وهناك، ويبدأون بشراسة في تمزيق أحياء المدينة وبيوتها، كانوا يفعلون شيئًا ثمّ يتراجعون، لا يلبثون أن يعودوا إليه مرّة أخرى، وقد بدت على وجوههم وتصرّفاتهم علائم الحيرة والترقب، حتى إذا غرقوا في الأنقاض وتاهوا في المنعطفات والتقاطعات، جاء غيرهم ليواصلوا العمل ذاته أو ليبدأوا عملًا غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت