فهرس الكتاب
في نوسترومو يشير الراوي إلى أنّ التجارة المادية التي تحققها سكة الحديد ومشروع منجم الفضّة ليست للشعب. بهذا يصبح الشعب أشبه بمتفرّج على مشاريع غيره التي تقوم على استلاب أرضه في وضح النهار دون أن يكون له ذنب في ضياع أرضه ودون أن يكون له حقّ في المشاريع التي تقام عليهما. أن تصبح غريبًا في وطنك أصعب من أن تكون غريبًا في وطن غيرك. هذا هو بيت القصيد عند كونراد في نوسترومو وهو البيت الذي يلتقي فيه عبد الرحمن منيف مع كونراد: كيف يتحوّل المواطن بلا وطن، بين عشية وضحاها في وطنه، هو السؤال المحيّر الذي وجد سبيله إلى كونراد وعبد الرحمن منيف، كلا الروائيين وجد نفسه شخصيًا يعاني من مثل هذا الوضع، ولا غرابة أن اتخذ هذا الوضع اهتمامًا خاصًا عند الكاتبين، فأصبح قصّة حياتهما وحياة الشعوب التي غُلبت على أمرها وموضوع الرواية عندهما.
هذا هو وضع موران الجديد وهي تصبح وطنًا مستباحًا للمستثمرين أمثال صبحي المحملجي!
"موران التي كانت تغرق في الرخاوة والتأمل والانتظار، بدأت تنتفض وتتغيّر: أبنية من أنماط وأشكال لا حصر لها تقوم وتنتشر في كل مكان، شوارع تُشقّ وسط المدينة وعلى أطرافها، وقريبًا من منطقة القصور، كما سميت منطقة الغدير، فتبدو بقايا البيوت والجدران والأشجار وكأنها آثار عصور قديمة خلّفتها هزّة مفاجئة. الأجانب يصلون ويتكاثرون كل يوم، ولا يطول بهم الوقت حتى يستقرّوا. الأعمال تتزايد وتتداخل بحيث لا يعرف الإنسان هل يواصل في الغد ما بدأه اليوم أم ينتقل إلى عمل آخر. والحياة، بكلمة موجزة، تتقطّع جذورها، تضطرب، تتغيّر، لكن لا أحد يعرف ماذا سيصير."