فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 234

يعرض لنا عبد الرحمن منيف حياة صبحي المحملجي وقد تكللت بالنجاح في مشاريعه المادية وأصبحت تدرّ عليه ربحًا ماديًا يفوق حلمه في الأيام الأولى. استطاع أن يصل بحنكته إلى الصخرة القوية وأن يشيد عليها أو من خلالها مشاريعًا تؤمّن غناه، كما يرد في الرواية، إلى ولد الولد. ولكن هذا المال والجاه ورضى السلطان وتحكّمه في القشرة الصلبة وسيطرته على القاصي والداني، له ثمن ليس بخافٍ عنه، ألا وهو تصدّع حياته الأسريّة. يقول لنا الراوي غنّ صبحي المحملجي تزوج من وداد الحايك زيجة عادية، تمّت بترتيب قامت به والدته مع أسرة وداد، وهو أمر مألوف في طرابلس، بل وفي غيرها من مدن الشام، وغالبًا ما تسير الأمور بعد الزواج سيرًا طبيعيًا عندما لا تتعدى الحياة الزوجية البسيطة إنجاب الأولاد ورعاية الزوج وبيت الزوجية. أمّا عندما تتعرّض هذه الحياة المحدودة إلى ظرف يبعد الزوج عن زوجته ويشغله ليل نهار في مشاريع مادية طموحة تستنزف جهده ووقته فإنّ خللًا ما يحدث في الحياة الزوجية البسيطة التي بنيت على القناعة والكنز الذي لا يفنى.

صحيح أنّ وداد الحايك قبلت الزواج مثل تقبل العديد من الفتيات في البيئة المملّة على أنّه ستر، ولكن الأمر لا يقف بالنسبة إليها عند هذا الحدّ أو عند ممارسة هذا الطقس على أنّه المحطة الأخيرة، إذ إنها تتمتّع بحساسية تجعلها تؤمن أنّ الحياة حقّ يجب التشبّث به ما دمنا على قيد الحياة. وهذا ما جعلها ترفض (دون مقاومة ظاهرة) جو الأسرة التي تربّت فيه، لأنّه جوّ مسكون بنذير الموت يشيعه والدها وتردّده والدتها. مهنة والدها الجديدة قسام شرعي:

"وهذه المهنة التي استهوته تمامًا، جعلته لا يتحدّث إلاّ عن الموت والموتى: كيف خطف الموت البشر وأبقى الثروة، لكي يختلف عليها الأحياء، ولولاه لأمات الناس بعضهم بعضًا، وأنّ الموتى ذهبوا إلى الباري بأكفانهم، ولا يمكن تمييز الواحد من الآخر أو التفريق بينهم."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت