إن الانفتاح اللانهائي على الواقع هو الذي يجعل الرواية تتمتع بحرية الحركة والتعبير أكثر من أي جنس أدبي ويبعدها عن التأطير ويهيئ فرصة وجود التميز والاختلاف في كل رواية، وربما هذا هو الذي دعا فورستر أن يقول إنه لو اجتمع عدد من الكتاب حول طاولة مستديرة مثل تلك الطاولة المشهورة في مكتبة المتحف البريطاني، وطلب منهم كتابة رواية عن موضوع موحد لخرج الجميع كل برواية مختلفة. وربما هذا أيضًا ما دعا فيرجينيا وولف أن تنادي في عهد الحداثة أن أي موضوع يصلح أن يكون مادة الرواية، ولا داعي أبدًا أن تتكون مادة الرواية من تلك المواضيع التي اتخذتها الرواية التقليدية مادة لها مثل الحب، والزواج، والثروة، والملهاة، والمأساة، وغير ذلك من المواضيع المتكررة التي طرقتها رواية العصر الفكتوري. وتهدف فيرجينيا وولف أن تبين أن الرواية لا تمتلك بل لا تستطيع أن تعطي نفسها الحق في القدرة على تقديم صورة كاملة أو حتى شبه كاملة عن الواقع رغم أنها أقرب الأجناس الأدبية إلى الواقع المعيش وأقدرها على التعبير عنه. أصبح الروائي في القرن العشرين ينظر إلى الرواية على أنها شكل مفتوح ولكن دون الادعاء أن لديه القدرة على تقديم صورة نمائية أو متكاملة لواقع اللاحدود. وهذا خلاف الاعتقاد الذي ساد القرن التاسع عشر وهو أن الرواية كانت سبيلًا للسيطرة على الواقع.
ومجمل القول أن الراوي حديثًا ينهج منهجًا مختلفًا عن الواقع ولكن دون أن يأمل مثل زميله قديمًا أن يصل إلى نهاية. كل رواية إذن تقدم شيئًا مختلفًا في خضم واقع اللانهاية، ويظل الراوي يروي دون أن يشارف على بداية أو نهاية الغموض الذي يكتنف عالم الرواية الرحب.