فهرس الكتاب
"كانت مسز جولد تراقب الفكرة هذه بفزع، وبدت لها أنَّها ظاهرة هدمت بيت الأسرة الذي يظلّلهما، أو كأنَّها عاصفة تحجب عنه الشمس، إذ تصوّرته يعوم في ظلام دامس وبرد قارس. هذه الفكرة جعلتها فكرة ثابتة مسكونًا بها طيلة الوقت، ومن يعش مسكونًا بفكرة ثابتة فهو فاقد لصوابه، ويشكل خطرًا كبيرًا، وإن كانت فكرته هذه عدالة، إذ يمكن أن يطيح بالسماء على رأس من يحبّ دون رحمة. لقد اغرورقت عينا مسز جولد بالدموع وهي تنظر إلى زوجها من زاوية جانبية،"ماذا كنت سأفعل لو أنَّ تشارلي غرق ونحن خطيبين؟"، صيحة أطلقتها وأفكارها ملأى بالرعب، تجمّد قلبها بين ضلوعها، وكانت وجنتاها تلتهبان وكأنَّ لهيبًا أشعله نعش الجنازة ليلتهِمَ كلَّ عواطفها في هذه الدنيا. فانفجرت بالبكاء." (كونراد، 379) .
ومقارنة مع مسز جولد وتشارلز، نجد صورة وداد وزوجها أحادية، أو مسطّحة، بتعريف فورستر للشخصية التي لا تملك من الحياة إلاَّ منحى واحدًا يجعلها تظهر به وتحتفظ به طيلة حياتها. من البداية إلى النهاية صبحي الملحمجي شخص لا هدف له إلاَّ جمع المال والتخطيط له، وقد وصل إلى السلطان خزعل بألاعيبه، والغاية عنده تبرّر الوسيلة، حتى لبس الزيّ العربي ماهو إلاَّ وسيلة إلى الوصول. وفعلًا وصل ودخل قلب السلطان ومقرّه، وأوهمه أنَّه فاعل كلّ شيء يريده السلطان. لا يوجد لدى صبحي الملحمجي أيّ مثل تتعارض مع مصالحه المادية. المسألة بالنسبة له محلولة ولا حوار، ولا صراع داخل نفسه من أجل أن يبرّر ما يقوم به حتى تتحقّق غاياته.
كل مايمكن عمله من أجل إرضاء السلطان يقوم به دون تردّد، المهم أن يصل إلى السلطة التي تخوّله تنفيذ مآربه المادية، وقد ترك مهنته جانبًا، وباشر في تقديم نفسه إلى السلطان كمنفّذ لمشاريع مادية ترقى بموران وبالسلطان ماديًا. لا يهمّه أن رضيت وداد أم غضبت، إنْ تعذّبت أو استفادت من مشاريعه التي لاتقف عند حد.