فهرس الكتاب
ومن الأهمية بمكان، أن نتذكّر هنا أنّ يغيّر شهريار ليس خطّتها التي تمهّد بها السرد، بقدر ما هو السرد بذاته، إذ لا تنوي شهرزاد أن تحتال على الملك بقدر ما تريده أن يحتال على نفسه. تهدف شهرزاد أكثر ما تهدف، إلى أن يغيّر الملك ما بنفسه أولًا، حتى يتغيّر سلوكه الخارجي ويتوقّف عن البطش، وأول بادرة في نجاحها، أنها خلقت منه مصغيًا حسنًا اعتراه القلق والفرح معًا على أثر سماع القصص، أي أنّ شهريار أصبح على استعداد لأن يسمع غيره ومن غيره، وأن يكون متلقيًا نجيبًا ومشاركًا"مهذبًا"، ولا بُدّ أن شهرزاد استعملت الكلمة في البداية بسخرية رائعة. وهنا تجدر الإشارة إلى صورتين شائعتين، لكنهما غير منصفتين لشهرزاد. الأولى صورة شهرزاد المحتالة التي تظهر بين الحين والآخر شعرًا، أو نثرًا كموتيف للغواية، أي أنّ شهرزاد قدرة هائلة من الغواية التي تشبه الخداع أحيانًا. ويجتهد بعد المحدثين من الشعراء القصّاصين بالتركيز على هذه الصورة لشهرزاد، وخلق مناهض يفلت من الغواية ويقاومها، ونرى في هذه الحالة أنّ التشويه يلحق بشهريار نفسه. أمّا الصورة الثانية، فهي أقل سلبية وأكثر إيجابية، وهي الأكثر شيوعًا، إذ إنّها ترى في شهرزاد امرأة حكيمة استطاعت بحكمتها وعقلانيتها الأخلاقية أن تغيّر مليكها وكأنّ الحكايات في هذه الحالة أشبه بدرس وعظي أذعن له الملك، وفي دراسة مستنيرة يقدّمها سليمان العطّار يقول: إنّ شهرزاد مثل المرأة التي تصوّرها الحكايات تكون"قيمة العقل عندها راجحة والحكمة عميقة." (7) .