فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 234

من الواضح أنّ حكايات ألف ليلة وليلة تتضمّن صورة الغواية الرائعة، وصورة الحكيمة الفذّة، ولكن الصورتين أقل قيمة من الصورة الشاملة، وأهم ما في الأمر، صورة شهرزاد الراوية التي يخلق صوتها الروائي عالمًا يتوالد فيه الزمن والحدث ليصبح عالم شهريار الجديد. فالحكايات هي ضمنيًا حكايات شهريار، يرى فيها نفسه، وغيره يقلق ويفرح معًا، وفي جميع الحالات يشارك رغبة تلقائية، هي رغبة الراوي إذا روى، ورغبة المتلقّي إذا تلقّى، ومن هنا تنشأ الوحدة العضوية بين المتلقّي الضمني، والنصّ والتي شغلت وما زالت تشغل المهتمّين بفنّ الرواية. هذا هو أكبر إنجاز حقّقته شهرزاد. ونظرًا لقيمته الفنية، فهو ما زال مدار بحث ونقاش يكتشف فيه أصحاب النقد والنظرية أبعادًا في الحداثة وما بعد الحداثة (كثيرًا ما يغطّي عليها الولع التقليدي بالسرد دون تخطّي البنية السطحية للسرد) .

إنّ المشكلة الرئيسية التي تواجهها شهرزاد، وهي تغامر في البحث عن الخلاص، ليست البحث عن حكايات شائقة تخرج الملك من سأمه وتحوّله عن هدفه فقط، وهي أيضًا ليست القدرة على السرد، وهي كذلك ليست البحث عن الحكمة والموعظة الحسنة تقدّمها"المرأة المعلّمة والمحاربة معًا، شهرزاد"، كما يلاحظ سليمان العطّار بل إنّ المشكلة الرئيسية، هي خلق شهريار ضمني في هذه الحكايات يصبح معها هذا الشهريار وكأنّه راويها. (8) هذا هو التكافؤ الذي تسعى إليه شهرزاد، هو تكافؤ الأدوار بين المتلقّي الضمني والراوي الضمني، وهو تكافؤ يفوق مثلًا مجرّد المساواة بين الرجل والمرأة، كما في حالة تنكّر الأميرة بُدور بزي زوجها قمر الزمان.

تواجه شهرزاد الراوية إشكالية مركّبة. فالعلاقة أصلًا بين الراوي الضمني، والمتلقّي الضمني لا تكون بريئة بطبيعة الحال. وهذه إشكالية عامّة يتميّز بها السرد عادة. وخير تقييم لهذه العلاقة تعليق بيتر بروكس في دراسة متميّزة بعنوان"الحكاية في اتجاه معاكس للرواية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت