فهرس الكتاب
كتب توفيق الحكيم عودة الروح وهو لا يجد مرتكزًا محليًا يرتكز عليه، وقبل البحث في التفاصيل، أودُّ أن أقول إنّ توفيق الحكيم لم يجد بُدًا من الارتكاز على مصرية مصر في الفرعونية واللغة العامية كبقايا خلفية محلية لا مناص من البحث عنها والتشبث بأهدابها. فعندما كتب ديكنز الآمال العظام وقبلها ديفد كوبرفيللد كانت اللغة الروائية جاهزة بالنسبة له، وأكثر من ذلك، فقد كانت الرواية كجنس أدبي معترف بها، وعلى الرغم من أنّ روّاد القرن الثامن عشر أمثال فيلدنجز وريتشاردز لم يكتبا رواية بالمعنى المتعارف عليه للرواية، إلاّ أنّ أعمالهما الروائية أشاعت الثقة في روائيي القرن التاسع عشر أمثال ديكنز. أليست هذه العجالة تبريرًا لصعوبة الموقف الذي كان يواجه توفيق الحكيم؟
إنّ الركيزة الأساسية التي اتخذها توفيق الحكيم منطلقًا له في عودة الروح هي المسرحية وتقنيتها، إذ إنّه كتب الرواية وفي ذهنه المسرحية وليس العكس، وأعتقد أنّ تفوّق الحكيم في المسرحية كان عاملًا مشجعًا على كتابة الرواية. وكان يدرك مدى أهمية الرواية كجنس أدبي وضرورة تقديمها في الأدب العربي، وفي الوقت ذاته كان مسلّحًا بتقنية المسرحية. ولا ريب في ذلك، فالرواية جنس أدبي منفتح على مختلف التقنيات في الأجناس الأدبية الأخرى. ونحن نعلم مثلًا أنّ الروائي الإنجليزي هنري فيلدنجز الذي يُعَدُّ الرائد الأول في الرواية الإنجليزية، كتب روايته تحت عنوان ملهاة بصورة ملحمة تكتب بالنثر، أي أنّه استعار الملحمة كجنس أدبي يكتب من خلاله رواية، وذلك بسبب غياب الرواية كجنس أدبي عن الأدب الإنجليزي آنذاك، وفي توفّر الملحمة كجنس أدبي رأى فيلدنجز الاستعانة به كأقرب تقنية يمكن التشبث بها لإخراج الروائية إلى حيّز الوجود، وهكذا فعل توفيق الحكيم الذي لم يجد أمامه من سبيل إلاّ أن يخرج عودة الروح في تقنية مسرحية ما تستطيع أن تناله.