فهرس الكتاب
كان توفيق الحكيم عندما شرع في كتابة عودة الروح عام 1927 محظوظًا بالاطلاع على ازدهار فن الرواية في باريس التي كانت تتبوأ مكان الصدارة في الثقافة بين العواصم الأوروبية. ولكن السؤال الذي يبرز هنا، هو إلى أي مدى يمكن للاتصال الحضاري هذا أن يترك بصماته على الكاتب؟ هل تستطيع الموهبة الفردية التي تمتّع بها توفيق الحكيم أن توتي ثمارها من خلال هذا الاتصال بالفن الروائي الغربي الذي كان يقطع الشوط الأكبر في هذا الميدان بعد أنجز الكثير فيه سابقًا وبخاصة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر؟
وليس من قبيل التعميم أن نقول إنّ الموهبة الفنية أكثر ما تحتاج عندما تنطلق في مجال الإبداع الروائي إلى خلفية محليّة. وتظلّ الخلفية الحضارية العالمية رافدًا ومعينًا لموهبة الروائي الفردية ومحليتها. فعلى سبيل المثال عندما كتب ديكنز الرواية، كان تأثير دوستوفسكي فيه، وكذلك عدد آخر من الروائيين الروس واضحًا، لكنه صاغ فنّه الروائي من محلية إنجليزية سواء ما اتّصل بها من واقع، أو فن سابق في الرواية الإنجليزية. وينسحب هذا على العديد من مشاهير الروائيين. وفي حالة توفيق الحكيم، فقد كان لسيطرة الفقه والبلاغة والمقالة ولغتها على المشهد الأدبي تأثيرًا سلبيًّا، إذ إنّه لا يمكن أن يساعد الحكيم في شيء نحو الانطلاق بالرواية. إنّ الرواية أي رواية تحتاج بادئ ذي بدء إلى لغة روائية لها مميّزات تختلف عن لغة النثر الفني أو العادي سواء ما اتّصل منها بالوصف أو الحوار (1) . فاللغة الروائية هي العمود الفقري الذي تقوم عليه الشخصية وتنهض من سياقها على يد الراوي. يقول فتجنشتاين أن حدود عالمه هي حدود لغته.