فهرس الكتاب
عندما أُتيحت الفرصة للحكيم لتشرّب حضارة الغرب، أيقن أنّه لابُدَّ من أن يدخل هذا الجنس الأدبي الذي يعرف بالرواية إلى أدبنا العربي لما له من أهمية كبرى في الأدب عامة. ومن الواضح أنّ اطلاع الحكيم على الرواية الغربية، أيقظ فيه نوعًا من الغيرة الثقافية، إنْ صحّ التعبير، وجعله يؤمن أنّه لابُدَّ من أن يكون في العربية رواية بالمعنى العالمي للرواية، إذ لا يمكن للدراسات الفقهية التي تسود العربية مهما بلغت في التفوّق أن تعوّض عن هذا الجنس الأدبي المميّز، وحتى التفوّق في الإنتاج الشعري لا يغني عن الرواية التي أصبحت منذ ازدهارها في أوروبا في منتصف القرن التاسع عشر جنسًا مميّزًا يعبر عن حضارة أمّة وثقافتها.
كتب توفيق الحكيم هذه الرواية وفي ذهنه العديد من الروايات العالمية التي واظب على قراءتها عندما كان طالبًا في فرنسا. ومن المعروف أنّ عقد العشرينيات من هذا القرن كان من أخصب العقود في الأدب الأوروبي، إذ كانت فترة تلت حربًا عالمية انقضت وتمنّى الكتّاب والفنّانون بعدها ألاّ تتكرّر المأساة، وما عليهم إلاّ الانصراف إلى داخل أسوار الفرد واستقصاء أسراره الداخلية والكشف عن مكنون النفس البشرية بعيدًا عن ظروف الحرب الخارجية وويلاتها التي ألحقت الضرر بالملايين. وكانت فترة العشرينيات مقارنة بما قبلها وما بعدها فترة استرخاء وتنفّس الصعداء، ولسبب أ و لآخر، ازدهر الأدب في هذه الفترة بشكل لا مثيل له في تاريخ الأدب الغربي. فهذا هو بروست مثلًا الذي قرأه توفيق الحكيم من جملة ما قرأ يكتب تحفته الروائية أشياء للذاكرة (Things to Remember) التي تتكوّن من أحد عشر مجلّدًا، وهذا جويس أيضًا يقدّم لنا ملحمة القرن العشرين الروائية. وقد كتبت فرجينيا وولف أهم أعمالها الروائية في العشرينات. وهكذا كانت حقبة العشرينيات زمنًا أبدع فيه الكثير من الروائيين الأوروبيين.