فهرس الكتاب
ومن المعروف أنَّ بطل التجربة الذاتية يتعرّض لأهوال ومخاطر وتجارب كثيرة ينجو منها بصعوبة وقد تعلّم درس الحياة. هذا هو بطل"جوته"فيلّم ما يستر في الرواية التي أسست هذا الجنس الأدبي يجوب ألمانيا في سبيل إصلاح المسرح الذي كانت أحواله متردّية آنذاك ويتعرّض لأنواع من المخاطر والمغامرات لا حصر لها، والمقصود منها طبعًا أن يخرج البطل، وقد امتحنت شخصيته وخرجت من الامتحان قادرة على الاستمرار بحساسية جديدة تولّدت أثر الكشف عن مقوّمات الصمود بداخل الشخصية وتصارعها مع الظروف الخارجية التي ألمت بالشخصية أثر انطلاقها حرّة في الحياة.
هل خضع محسن لتجارب كافية لصقل شخصيته؟.. هل وضعت شخصية محسن على المحكّ لتثبت جدارة مقوّماتها الداخلية؟ إنَّ ما نعلّم عنه من انخراط محسن في النضال ما هو إلاَّ استجابة تلقائية لا تعتمد على سجلّ مسبق نتيجة تجربة أو تجارب معينة مرّ بها وسلم من شرّها وتأثّر بها وتعلّم منها. لقد كان بإمكان توفيق الحكيم أن يستغلّ تجربته الماضية في المسرح وما فيها من معاناة مع فرقة عكاشة وأن يستغلّ شعفه بالمسرح والمسرحية، وأن يوظف كل هذه الأشياء ويجعلها في متناول اليد عند محسن، وأن يجعله ينطلق بحماسه للمسرحية يجوب القاهرة والأرياف بعمقهما معلنًا مثلًا عن ميلاد مسرح جديد يبعث الحياة والأمل في قلوب المواطنين يمسرح الحدث الذي يريد من الناس أن يعوه جيدًا ويتمثلوه بقوة. عندها يتجسّم الماضي الحضاري المصري لما فيه من قوة كامنة منيعة ليصبح رصيد المقاومة في الحاضر ومرتكزًا للنضال يتسلّح به محسن، لينهض بأعباء العمل الثوري. لقد كان بإمكان توفيق الحكيم أن يوسع دائرة الحدث التي يتحرّك فيها محسن ليجعلها تتناسب مع الهدف الأسمى في الرواية. وتوفيق الحكيم قادر على ذلك. أليس مشهد مصطفى وهو يتابع سنيه إلى عيادة الأسنان بدليل على أنَّ توفيق الحكيم يمتلك القدرة حتى على كتابة رواية المغامرات لو أراد؟..