أ. د. جعفر شيخ إدريس
الإسلام دعوة ومنهاج: دعوة إلى الله، ومنهاج لتبليغ هذه الدعوة، سواءًا كان التبليغ لأناس مؤمنين، أو لأناس لم يؤمنوا بعد، ومنهاج البلاغ هذا ليس مبينًا بالوصف فقط كما في مثل قوله تعالى: (( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) ) [ {النحل: 125] } ، بل وبالمثال أيضًا. والمثال يكون بالطريقة التي يدعو بها الخالق - سبحانه وتعالى - عباده - كما سنرى في آيات الصيام - وبالطريقة التي يدعو بها الرسلُ أقوامهم، كما في مثل قوله تعالى عن نوح \: (( ولقد أرسلنا نوحا إلى"قومه إني لكم نذير مبين ... ) ) [هود: 25 - 34] } والتي يدعو بها الذين ساروا على سنتهم من الإنس كما في مثل قوله - تعالى - عن مؤمن آل فرعون: (( وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه .. ) ) [غافر: 28 - 34] }، بل ومن الجن كما في قوله ـ تعالى ـ: وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا ... الأحقاف: 29 - 32}."
ومثل الدعوة في هذا كمثل الصلاة والصيام والحج؛ فكما أننا نعرف الصلاة والصيام والحج معرفة علمية نظرية، ثم نصلي كما عَلِمْنا كيف كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي، ونأخذ عنه مناسك حجنا، فكذلك نعرف طرق الدعوة معرفة نظرية علمية، ثم نعرفها معرفة عملية بمعرفتنا للطرق التي دعا بها أنبياء الله - تعالى - ودعا بها سائر عباده الصالحين الذين قص الله - تعالى - علينا قصصهم في هذا المجال. لكن المسائل التي بُينت لنا طرقُها العملية نوعان: نوع لا يتأتى فعله إلا من العباد كالصلاة والزكاة، ونوع نسترشد فيه إلى جانب ذلك بالطريقة التي يعامل الله - تعالى - بها عباده، كطريقة الدعوة إليه، وآياتُ الصيام التي هي موضوعنا في هذا المقال خيرُ مثال على هذا النوع الأخير.