الصفحة 2 من 4

إن الغاية من هذه الآيات هي أمر المسلمين بصيام شهر رمضان، ولو شاء الله - تعالى - لأمرنا بها أمرًا مجردًا لا استعطاف فيه ولا تعليل؛ فهو الرب ونحن عبيده، ومن حقه أن يأمرنا بما شاء، ومن واجبنا أن نطيعه بغير سؤال ولا مراء. لكن الله - تعالى - أعلم بطبيعة النفوس التي خلقها، وبأحسن الطرق إلى هدايتها وعطفها على قبول الحق والعمل به. لذلك نراه - سبحانه - لا يأمر عباده بالصيام أمرًا مجردًا بل يسوق كل الحقائق التي من شأنها أن تعطف قلوبهم إلى الخير الذي يأمرهم به.

يقول - تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ... ) ) [البقرة: 183 ـ 187] فيخاطبهم بأحب أوصافهم إليهم. وهذا الخطاب وإن كان خطابًا عامًا إلا أنه يجعل المستمع الفرد يُؤَمِّل في الدخول في سلك هؤلاء الذين شهد الله - تعالى - لهم بالإيمان. وهل بعد الشهادة الإلهية من شهادة؟ وإذا كان يرجو أن يكون مؤمنًا حقًا بعمله بما كتب الله عليه، فما أقل الصيام من ثمن لهذا الإكرام!

كما كتب على الذين من قبلكم: بما أن الإنسان قد يتردد في الإقدام على أمر يراه صعبًا ولا يرى له فيه سلفًا، فإذا تبين له أن الأمر قد جربه أناس قبله، فأغلب الظن أنه سيقول لنفسه: إذا كان الصيام قد كتب على من قبلنا فصاموا، فما الذي يمنعنا نحن من أن نصوم؟ وإذا لم نكن أول من جرب الصيام بل جربه أناس قبلنا ونجحوا في التجربة، فما الذي يمنعنا نحن من أن ننجح كما نجحوا؟

لعلكم تتقون: فالغاية من الصيام ليست تعذيب الإنسان بمنعه من الطعام والشراب والنكاح، وإنما أتى هذا المنع وسيلة ضرورية لغاية شريفة هي التقوى، والتقوى هي سبيل النجاة من عذاب الله؛ وهي من ثَمَّ سبيل الفوز بجزائه ومرضاته، ولهذا كانت التقوى هي الغاية التي تحققها كل عبادة من العبادات التي أمرنا الله - تعالى - بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت