الصفحة 28 من 306

قبل الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982, كان بإمكان المرء مغادرة فندق الكومودور في الثامنة صباحًا والتوجه إلى مركز قيادة منظمة التحرير في الفاكهاني ثم التوقف عند سفارة أو اثنتين, والتحادث مع أحد مصادر الأخبار ومن ثم العودة إلى الفندق حوالي العصر لكتابة مقاله وإرساله بالتلكس إلى صحيفته قبل موعد الطبع, وهو إلى ذلك كله كان لديه الوقت الكافي لتناول بعض الكؤوس بالإضافة إلى وجبة طعام شهية والاستمتاع بحمام سبحاة, توجد طبعًا بعض الاستثناءات, إلا أن أغلبهم لم يجد, إلا فيما ندر, أي ضرورة للسفر إلى البقاع أو كسروان أو الجنوب, أضف إلى ذلك أن الصحافيين يخشون دائمًا التواجد في مكان ما بينما تدور أحداث خبطة صحافية في مكان آخر, أما القلة التي كانت على استعداد لتخطي النظام السائد ومواجهة احتمال بعدهم عن أي حدث ساخن قد يطرأ, فقد كان عليهم بالإضافة إلى ذلك أن يواجهوا مخاطر متعددة.

فمنذ عام 1975 ولبنان مقسم إلى مقاطعات أو مناطق أمنية تسيطر عليها المليشيات والجيوش والعصابات (1) وعلى من يريد الوصول إلى مكان ما خارج بيروت وغالبًا حتى في داخلها, المرور ليس فقط بالعديد من الحواجز التي يديرها عناصر المليشيات المزاجيون, بل وقد يجد لدى وصوله إلى الوجهة التي يقصدها أن السفر دون مرافقين أو ضباط اتصال أو ناطقين رسميين أمر جد خطير, وهكذا فحتى الصحافي المخلص والمغامر الذي يترك أسباب الراحة والرفاهية المألوفة في بيروت لا يرجع بأكثر من إحساس بالوضع, لذلك كانت النتيجة أن التقارير التي كتبت في الداخل اللبناني لم تختلف إلا فيما ندر عن تلك التي كانت تكتب في بيروت, وهكذا عكس قصر نظر المراسلين مواقف البيروتي المرهف, الذي لا يهتم في الغالب لما يحدث في المناطق الخلفية كالجنوب مثلًا.

(1) انظر مقالي: (( New Leader, Lebanon's Shifrng Political Landscape, ) )آذار 1982 8-9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت