فهرس الكتاب
أكثر من ذلك, فالقصة (الحدث) بالنسبة لمعظم المراسلين الصحافيين في بيروت قبل عام 1982 لم تكن لبنان بل المقاومة الفلسطينية, لم يكن لبنان سوى المسرح الذي تلعب عليه المسرحية الفلسطينية, ولذلك لم تتضمن معظم التقارير المرسلة من بيروت, على وفرتها, إلا النزر اليسير, وبالطبع فإن الصحافي الميداني إنما كان إلى حد كبير يستجيب إلى طلب رؤسائه واهتمامات قرائه فمنطقة التحرير الفلسطينية هي الخبر لا لبنان.
أما الدبلوماسيون وخصوصًا الأمريكيون منهم فكانوا يتمتعون بحرية حركة أقل من حرية الصحافيين، فلقد أدت التهديدات الأمنية إلى فرض قيود قياسية على حركة الدبلوماسيين, وزيادة اعتمادهم على مصادر المعلومات الصديقة, الذين عبروا في الغالب عن مشاغلهم وأهوائهم في العام 1982 كان ممنوعًا على موظفي السفارة الأمريكية أن يصلوا إلى جنوبي الدامور دون الحصول على تصريح السفير, كان من الطبيعي في هذه الحالة أن يكتفي العديد من الدبلوماسيين بالمكوث في العاصمة التي تمتاز بشبكة اتصالاتها ووسائل الراحة فيها, وكذلك وجد بين الدبلوماسيين من شعر بضرر العزلة فبذل كل جهد ممكن لتخطي الإطار الدبلوماسي, كالدبلوماسية النروجية التي كانت تعرف لبنان معرفة وافية, إلا أنها كانت حالة استثنائية حتى في نظر الصحافة والسلك الدبلوماسي, فعندما نعرف أن أغلب المراسلات سواء الصحافية منها أم الدبلوماسية كانت تنتج عبر تعاون فريق ثلاثي مؤلف من الصحافيين والدبلوماسيين والمسئولين اللبنانيين, يصبح من السهل فهم كيفية تولد الحقائق واكتسابها حياة خاصة بها.