فهرس الكتاب
وحتى قبل اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 كانت تشكيلة واسعة من الحركات السياسية العلمانية تتنافس فيما بينها لكسب أعضاء جدد من الطائفة الشيعية التي يزداد تسيسها, لكن الهوية الطائفية لم تبرهن فقط عن ثباتها بل ازدادت ترسخًا بفعل الطابع المميز للناصب السياسي - الاجتماعي في لبنان.
تقدم لنا أدبيات علم السياسة في معالجتها لدلالة وأثر انقسام الناس بين مدينيين وريفيين في ممارستهم السياسية مفهوم الثنائية وهو مفهوم برهن عن عدم انطباقه على الوضع اللبناني, إذ أن آثار المدنية المقترحة بما فيها تزايد الانخراط في الممارسة السياسية برزت بالوضوح نفسه في المناطق غير المدينية, مما يقودنا إلى الاستنتاج بأن التمييز بين الريفي والمديني قد فقد كثيرًا من معناه بالنسبة للعمل السياسي في لبنان.
تظهر الحالة اللبنانية بوضوح أنه بالنسبة للدول ذات الحجم الجغرافي المتواضع والتي تخضع لتغييرات اجتماعية اقتصادية هامة فإن ثنائيات الريفي المديني قد تضر أكثر مما تنفع.
عندما يقضي التغيير على حصون العزلة في القرية, تصبح القرى والمدن معًا مواقع هامة للعمل السياسي.
رغم ثبات الهوية الطائفية واستمرار أهمية مثال القرية في الحياة السياسية اللبنانية, إلا أن نجاح حركة شيعية مميزة ذات قاعدة عريضة لم يكن بالنتيجة الحتمية, فقد كان من السهل أن تتمزق الطائفة على مجموعة من المنظمات المحلية الشعبية وعلى خليط من الأحزاب العلمانية التي ترفع مطالب الشيعة, ولقد حصل ذلك بالفعل في بعض الأوقات, إلا أن أحداثًا وقعت خارج لبنان مكنت إلى حد كبير حركة إصلاح طائفي ذات قاعدة عريضة من أن تبرهن على أنها العامل الأهم في تعبئة الشيعة.
الشيعة والتخلف الاقتصادي - الاجتماعي: