فهرس الكتاب
وبالطبع, فإننا لا نهدف هنا إلى تسفيه عمل أكادميين آخرين, بل إلى صياغة نقطة نظرية هامة, إضافة إلى أهميتها في فهم الحالة اللبنانية: فالمعنى الخاص للإقامة في المدينة بما هو انخراط في العمل السياسي قد فقد في لبنان, ولا يعود ذلك بالضرورة إلى خطأ نظري بل لأن التمييز بين مديني ريفي في لبنان فقد الكثير من معناه (1) , فهو بلد لا تتجاوز مساحته 4015 ميلًا مربعًا (10452 كلم مربع) وهو بلد يمكن الانتقال فيه برًا من أقصى قرية إلى المراكز المدينية الرئيسية في 3 ساعات كحد أقصى (وأقل من ذلك بكثير غالبًا) وهو بلد الهجرة إلى الخارج والعودة إحدى تقاليده, كما أنه بلد فرضت نوبات العنف الوحشي موجات متتالية من الهجرة الداخلية, وهو بلد غالبية سكانه العظمى غير ريفية في مظهرها الخارجي, ويبدو أن ما تقترحه الحالة اللبنانية هو أن إيليا حريق محق تمامًا إذ يعتبر أن مفهومي جماعات مدينية وريفية أقل نفعًا في تحليل النمو السياسي من عمل دويتش على السياسة الريفية والتغيير الاجتماعي (2) وكما لاحظ أنطون وحريق في عمل مهم عن السياسة الريفية والتغير الاجتماعي لقد رأينا أن خصائص التحديث كمعرفة القراءة والكتابة ومتابعة وسائل الإعلام, والمشاركة السياسية وعقلنة الإنتاج والإدارة وارتفاع مستوى المعيشة, يمكن أن تحدث على صعيد القرية كما تحدث في المجتمعات المدينية (3) .
(1) رغم فقدان التمييز بين الريفي والمديني للكثير من معناه, إلا أنه لا يزال ذا أهمية بالغة لدى الفرد اللبناني فالقرية بالنسبة له تمثل مكان الراحة, والملاذ, والتقاعد.