فهرس الكتاب
ولكن هذه الروابط ما لبثت أن انحلت كنتيجة للتحديث المتواصل, يلاحظ أرنولد هوتنغر في مقالته الأصلية المبدعة أن السلطة الفعلية كانت تنسل من أيدي الزعماء منذ أوائل الستينات, ويعود ذلك بشكل واسع إلى نمو أجهزة الدولة الإدارية التي منحتهم كخدمات عددًا من السلع السياسية التي كان يوزعها الزعيم كتقديمات (1) ومع انتشار تهجير السكان, والتحولات في تنظيم الاقتصاد والوضع الأمني المتدهور في الجنوب, وجد الزعيم أن تلبية حاجات أتباعه المعقدة والمتزايدة ومطالبهم المتكاثرة تزداد صعوبة بشكل تدريجي ( ولسوء الحظ فإن الدولة أيضًا لم تستطع أن تواكب هذا التطور) .
المؤسسات السياسية محكومة بالتقاليد والثقافة, لكن التقاليد لا تدفعها نحو الاستمرار, فالناس تنخرط في السياسة (وبالتالي في العلاقات السياسية) لأغراض عملية, وهكذا فمع تقلص حجم الانتفاع من التبعية التقليدية ومع عجز الدولة عن الاستجابة لمطالبهم, سعى الشيعة كغيرهم من اللبنانيين, إلى تبني وسائل أخرى للتغلب على سوء وضعهم الاقتصادي الاجتماعي, وبالطبع فإنه عندما يطالب الناس بصوت سياسي أكثر فعالية فهم يصرون على ضرورة إسماع صوتهم, أي أنهم يودون المشاركة في تقرير مصيرهم. وليست المشاركة السياسية هي هدفهم بل مقدار النفع الذي يحصلون عليه من جراء هذه المشاركة, فالعديد من المتسيسين الشيعة الجدد تخلو عن النظام السياسي القديم؛ لأنه أدار أُذنًا صَمَّاء لمطالبتهم بالأمن, والتعليم, والخدمات الصحية, والتوظيف.