فهرس الكتاب
الكثير من الحكايات التي تطعن فيه، بل وصل الأمر إلى وضع أحاديث في ثَلْبه رضي الله عنه [1] ، ولا يُستغرب ذلك من أكذب الناس، وهم الرافضة.
(1) مثل ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه".
وهذا حديثٌ كذّبَه وأنكرَه سائرُ العلماء، منهم: أيوب السختياني (الكامل لابن عدي 5/ 101 وغيرُه) ، والإمام أحمد (علل الخلال 138) ، وأبوبكر بن أبي شيبة، ووأبوزرعة الرازي (الضعفاء 2/ 427) ، وابن حبان في المجروحين (1/ 157 و250 و2/ 172) ، وابن عدي (2/ 146 و209 و5/ 101 و200 و314 و7/ 83) ، والذهبي في الميزان، وابن كثير في تاريخه (11/ 434) ، وغيرهم من الحفاظ.
وقال الإمام البخاري بعد أن أعل أشهر طرقه: إن هذه الأحاديث".. ليس لها أصول، ولا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم خبرٌ على هذا النحو في أحدٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، إنما يقولُه أهلُ الضَّعف". (التاريخ الأوسط 1/ 256)
وقال العقيلي (1/ 259) :"ولا يصح من هذه المتون عن النبي عليه السلام شيءٌ من وجه يثبت".
وقال الجورقاني في الأباطيل (1/ 200) :"هذا حديث موضوع باطل لا أصل له في الأحاديث، وليس هذا إلا من فعل المبتدعة الوضاعين؛ خذلهم الله في الدارَين، ومن اعتقد هذا وأمثالَه؛ أو خطر بباله أن هذا جرَى على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهو زنديقٌ خارجٌ من الدين".
وقال ابن تيمية في المنهاج (4/ 380) :"وهو عند أهل المعرفة بالحديث كذبٌ موضوعٌ مُختلَقٌ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم".
وأطنب في تخريجه الحافظان ابن عساكر (59/ 155 - 158) وابن الجوزي في الموضوعات (2/ 24) وقالا إنه لا يصح من جميع طرقه، وقال الألباني: موضوع. (الضعيفة 4930)
مثال آخر: ذكر الخلال في العلل (رقم 134) :"قال مُهنّا: سألتُ أحمد [يعني ابن حنبل] عن حديث الأعمش، عن أبي وائل، أن معاوية لعب بالأصنام! فقال: ما أغلَطَ أهلَ الكوفة على أصحاب رسول الله [صلى الله عليه وسلم] . ولم يُصَحِّح الحديث، وقال: تَكَلَّمَ به رجلٌ من الشيعة".
قلت: يعني وَضَعه، على أن الأعمش مدلس، ولم يصرّح بالسماع، وأهل العلم يُعِلُّون بمثل هذا، ولا سيما عند النكارة.
ونظيره -إن لم يكن أصله- ما تفرد بذكره ابن جرير في تهذيب الآثار (ص241 مسند علي) من طريق الثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال: كنت مع مسروق بالسلسلة، فمرت سفينة فيها أصنام ذهب وفضة، بعث بها معاوية إلى الهند تُباع!
قلت: وهذا ليس أحسن حالا من سابقه، وتفرُّدُ ابن جرير بهذا السياق بهذا السند منكر جدا، وأخشى أن يكون مدسوسا، فلم أقف عليه بتمامه في مكان آخر رغم التوسع، بل لم يورده الرافضة في كتبهم!
وقد يكون دخل عليه سياق في سياق، فروى ابن أبي شيبة (7/ 34) عن أبي معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، أنه مر عليه وهو بالسلسلة بتماثيل من صُفْر تُباع.
ليس فيه ذكر لمعاوية.
وروى بحشل الواسطي في تاريخه (37) من طريق حماد بن أبي أسامة، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال: كنت مع مسروق بسلسلة واسط، فمرت سفن فيها هدايا إلى معاوية.
فهذا عكس السابق، وليس فيه ذكر للأصنام.
وعلى فرض ثبوته لأبي وائل؛ فلا يُدرى مَن الذي أخبر مسروقا ماذا بالسفينة، ولمن هي، وإلى أين تتجه؟ والظن أنه من بقايا المجوس والوثنيين، فلا يصدَّق على معاوية رضي الله عنه! ولا يَبعد أن
يكون المُخْبِر يقصد الافتراء على معاوية وإدخال التشنيع عليه، ومعلوم حال حديث جملة أهل الكوفة.
ولا سيما أن مسروقا كان لا يفتش أحدا على السلسلة، ويقول لمن مر به: إن كان لنا معك شيء فأعطناه. كما عند ابن أبي شيبة (3/ 196) وبحشل (37)
ثم .. ألم يجد معاوية سواحل يُرسل منها الأصنام إلا عبر مسافات داخل العراق؟!
والحاصل أن الخبر كذب على معاوية بلا شك.
وقال الواقدي: سبى عبد الله بن قيس بن مَخْلد الدِزَقي صقلية، فأصاب أصنام ذهب وفضة مكللة بالجواهر، فبعث بها إلى معاوية، فوجّه بها معاوية إلى البصرة لتُحمَل إلى الهند فتُباع هناك ليُثَمَّن بها. (فتوح البلدان للبلاذري ص278 وينظر الفتوح للواقدي)
الواقدي متروك، ولم يذكر له سندا، إلا أن في خبره دفعٌ للمعنى الذي يشتهيه القوم، وأن ذلك لو صح اجتهاد من معاوية لإصابة الأفضل لبيت مال المسلمين.
وانظر أمثالَه في علل الخلال بعدَه، وقد قال الحافظ ابن عساكر في تاريخه (1/ 365) :"كان بين أهل الشام وأهل الكوفة إحن".
مثال آخر: وضع ابن المُطَهِّر الرافضي (منهاج الكرامة ص64) حديثا وهو:"يطلع عليكم رجل يموت على غير سنَّتي"، فطلع معاوية، وقام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا، فأخذ معاوية بيد ابنه يزيد وخرج، ولم يسمع الخطبة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لعن الله القائد والمقود، أيُّ يومٍ يكون للأمة مع معاوية ذي الإساءة"!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رده عليه (منهاج السنة 4/ 444) :"هذا الحديث من الكذب الموضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ولا يوجد في شيء من دواوين الحديث التي يُرجع إليها في معرفة الحديث، ولا له إسناد معروف".
ومما يدل على أن واضِعَ الحديث رافضيٌ على غير السُنَّة والعقل: أن يَزيد وُلد سنة سبع وعشرين في خلافة عثمان! ومعاوية لم يتزوج إلا في خلافة عمر، رضي الله عن الجميع!
مثال آخر: زعم بعضهم أن معاوية أوعز للأشعث بن قيس إلى ابنته (وكانت تحت الحسن بن علي رضي الله عنهما) أن تضع السم لزوجها، وأنه مات بسبب ذلك!
وهذا باطل، فالأشعث توفي قبل الحسن بنحو عشر سنين، ثم إن بقاء الحسن كان فيه مصلحة لمعاوية، بخلاف أهل الفتنة من شيعة الكوفة، وتجد ذلك في الكلام على مسألة حُجر بن عدي، وقال ابن العربي عن الخبر إنه محال (العواصم 214) ، وقال ابن تيمية: إن تسميم معاوية للحسن لم يثبت ببينةٍ شرعية، أو إقرارٍ معتبر، ولا نَقْلٍ يُجزَم به. (منهاج السنة 4/ 469) ، وقال الذهبي: هذا شيء لم يصح، فمن الذي اطلع عليه؟ (تاريخ الإسلام حوادث سنة 41 - 60 ص40) ، وقال ابن كثير: ليس بصحيح. (البداية والنهاية) ، وجعله ابن خلدون مما وضعه الشيعة. (التاريخ 2/ 1139 وانظر: مواقف المعارضة في خلافة يزيد بن معاوية للأستاذ محمد بن عبد الهادي الشيباني ص120 - 125 وعنه الأخ الشيخ سليمان الخَراشي في كتابه: اتهامات لا تثبت ص165 - 174)
واعلم أنه لا يصح خبرٌ في موت الحسن بالسم، وكل ما روي في ذلك ضعيف جدا أو شديد الإعضال والانقطاع، أما ما وقع في مطبوعة معجم الطبراني الكبير (3/ 71 رقم 2694) من طريق يحيى بن بكير، عن شعبة، عن أبي بكر بن حفص:"أن سعدا والحسن بن علي رضي الله عنهم ماتا في زمن معاوية، فيرون أنه سَمَّه".
فزيادة"فيرون أنه سَمَّه"نبّه محقق المعجم أنها لم ترد إلا في (هامش!) نسخة واحدة، وخلت منها النسختان الأخريان، ثم قد رواه أبونعيم في معرفة الصحابة (2/ 658) وابن عساكر (13/ 299 و304 و20/ 370) وغيرهما من طرق عن ابن بكير بدون هذه الزيادة، فثبت أنها مقحمة لا أصل لها، وكان من الواجب عدم إثباتها في صلب الكتاب، فيتنبه لذلك.
وهذا شاهد على محاولات التحريف والدس من الرافضة في الكتب! علما بأن لبعض المتشيعة هوامش سخيفة على بعض نسخ المعجم الكبير، انظر مثلا (6/ 221 رقم 6063) منه.
مثال آخر: قال الطبراني في المعجم الكبير (7/ 289 رقم 7161) ومسند الشاميين (3/ 230 رقم 2147) : حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، ثنا سعيد بن عفير، ثنا سعيد بن عبد الرحمن من ولد شداد بن أوس، عن أبيه، عن يعلى بن شداد بن أوس، عن أبيه، أنه دخلَ على معاويةَ وهو جالسٌ؛ وعمرو بن العاص على فراشه، فجلس شداد بينهما، وقال: هل تدريان ما يُجلسني بينكما؟ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إذا رأيتُموهُما جميعًا فَفَرِّقوا بينهما، فوالله ما اجتمعا إلا على غَدْرَة". فأَحْبَبْتُ أن أُفَرِّقَ بَينكُما!
قلت: هذا حديث موضوع، ورواه ابن عساكر (46/ 149) من طريق الطبراني، وقال:"سعيد بن عبد الرحمن وأبوه مجهولان، وسعيد بن كثير بن عفير وإن كان روى عنه البخاري فقد ضعَّفَه غيرُه". وأقره ابن حجر في اللسان (3/ 36) ، وذكر الهيثمي في المجمع (7/ 248) أن فيه عبد الرحمن بن يعلى، ولم يعرفه.
ومثال أخير: حديث"اللهم أركسهما في الفتنة ركسا"، قال الحافظ محمد بن طاهر المقدسي: هو حديث رواه يزيد بن أبي زياد عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أبي برزة الأسلمي، ويزيد هذا من أهل الكوفةكان الكَذّبة يلقنونه على وَفْق اعتقادهم فيتلقنها، ويحدّث بها ضعفة أئمة أهل النقل، وقد رُوي هذا الحديث عن طريق آخر نُسب فيه معاوية هذا، وأنه ابن التابوت .. ثم ختم بقوله: ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر أحدا من الصحابة إلا بخير. (كتاب السماع ص86)