فهرس الكتاب
وحمل العلماء النهي عن جهاد الابن بدون إذن أبويه، على ما إذا كان الجهاد فرض كفاية - أي قام به من يكفي - أما إذا كان فرض عين فعليه أن يجاهد أذنا له أو لم يأذنا، كغيره من ذوي الأعذار، مثل العبد والمرأة ونحوهما، وفي المسألة تفصيل ليس هذا موضعه [راجع بدائع الصنائع للكاساني (9/4300) وتكملة المجموع (18/57) وحاشية الدسوقي (2/75) وراجع كتابنا الجهاد في سبيل الله، حقيقته وغايته (1/90-92) ] .
لكن ابن حزم رحمه الله قيّد مشروعية جهاد الابن بدون إذن والديه إذا كان الجهاد فرض عين، بما إذا لم يكن في ذلك ضياع لهما، فإن كان فيه ضياع لهما لم يجز له الجهاد ولو كان فرض عين، قال:"إلا أن يضيعا أو أحدهما، فلا يحل له ترك من يضيع منهما" [المحلى (7/292) ] .
ومما ينافي برّ الوالدين أن يدعهما أو أحدهما، يُمتهنان في خدمة الناس للحصول على نفقتهما، ولو كانا قادرين، مادام يستطيع الإنفاق عليهما وعزهما، قال ابن القيم رحمه الله تعالى:"فليس من بر الوالدين أن يدع الرجل أباه يكنس الكنف، ويكاري على الحمر، ويوقد في أتّون الحمام، ويحمل الناس على رأسه ما يتقوّت بأجرته، وهو في غاية الغنى واليسار وسعة ذات اليد، وليس من بر أمه أن يدعها تخدم الناس وتغسل ثيابهم وتسقي لهم الماء ونحو ذلك، ولا يصونها بما ينفقه عليها، ويقول: الأبوان مكتسبان صحيحان، وليسا بزمنين ولا أعميين، فيا لله العجب! أين شرط الله ورسوله في بر الوالدين وصلة الرحم أن يكون أحدهما زمنًا أو أعمى؟ وليست صلة الرحم ولا برّ الوالدين موقوفة على ذلك شرعًا ولا لغةً ولا عرفًا.." [زاد المعاد (5/551) ] .