-وليس بخاف على أحد أن أفصح هذه الأساليب وأروعها وأقربها إلى قلوب المؤمنين أساليب القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة؛ تلك الأساليب التى استنبط منها الفقهاء أحكام الشريعة، واختلفت وجهات نظرهم أحيانًا في فهم النص، ورتب كل منهم حكمه على هذا الفهم مستدلًا على فهمه باستعمال العرب للفظة ما في معنيين اختار منهما ما رآه متسقًا مع السياق، أو مع نص آخر أو معتمدًا على إمكانية فهم الجملة القرآنية أو النبوية مرتبطة بما قبلها، أو مستأنفة معنى جديدًا تسمح به قواعد الفصحى، أو مفسرًا لمعنى الجملة على الحقيقة أو على المجاز.
-وكثيرًا ما ثار لدى المثقفين ثقافة مدنية سؤال عن سبب اختلاف الأئمة في بعض الأحكام الشرعية، بل وكثيرًا ما تعصب بعض المسلمين لرأى في مذهب ما منددًا بالآراء الأخرى والمذاهب المخالفة لرأيه، بل ومجندًا كل طاقات دعوته في توهين المذهب الآخر.. وفى ذلك تبديد لجهود الدعوة التى ينبغى أن تركز حول الأصول العامة التى لا خلاف حولها، والثوابت الراسخة في ديننا؛ حيث إن الإسلام يسع جميع تلك الآراء ما دامت اللغة التى نزل بها كتابه تسيغ هذا الفهم، ويحتمله التركيب.
-ورسولنا صلى الله عليه وسلم قد أرانا النموذج الأمثل في فهم النص على حقيقته أو على مجازه في حديثه المشهور حين قال للجنود بعد أن كفى الله المؤمنين القتال في غزوة الأحزاب وأمر بالتوجه إلى بنى قريظة الخونة حيث قال: « لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلاَّ فِى بَنِى قُرَيْظَةَ » ففهم بعض الصحابة هذا الحديث على معناه الحقيقى بحيث إذا جاء وقت العصر قبل أن يصلوا إلى بنى قريظة امتنعوا عن الصلاة تنفيذًا لأمر رسول الله.. وفهم البعض الآخر أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقصد بنهيه هذا الإسراع في الوصول إلى بنى قريظة لمباغتتهم وحين جاء موعد صلاة العصر صلوها في الطريق.