إن الافتراض الأساس -كما يقول جي آرفرث- أن كل نص يعتبر من مكونات ظرف معين (5) ، ولهذا لا يمكن بحال نكران تأثير دلالة سياق النص اللغوي وسياق الموقف الملابس له على العناصر النحوية من حيث الذكر والحذف والتقديم والتأخير والتعريف والتنكير.
لقد كانت فكرة السياق أو المقام هي المركز الذي يدور حوله علم الدلالة الوصفي في الوقت الحاضر وهو الأساس الذي ينبني عليه الوجه الاجتماعي من وجوه المعنى وهو الوجه الذي تتمثل فيه العلاقات والأحداث والظروف الاجتماعية التي تسود ساعة أداء المقال (6) .
وإذا كان تحليل المقال في سياقه المقامي واجبا في اللسانيات الاجتماعية والتاريخية والنفسانية فإنه في مجال التحليل الأسلوبي أوجب، وسوف ترد الإشارة إلى أن الاختيارات الأسلوبية لا تحكمها ظواهر اللغة الخالصة فحسب (7) بل تحكمها كذلك محددات المقام ونعنى بها الخصائص التي تحدد الظرف الاجتماعي الذي سيق في إطاره الكلام، لأن القيمة الفنية كما يقول حمادي صمود قيمة سياقية تبرز من تلاحم عناصر النص وتماسكها ونظمها (8) .
أ - تعريف المقام:
يقول الدسوقي في حاشيته على السعد:"مقامات الكلام: الأمور المقتضية لاعتبار خصوصية ما في الكلام"، وإذا اختلفت المقامات لزم اختلاف مقتضيات الأحوال لأن اختلاف الأسباب في الاقتضاء يوجب اختلاف المسببات (9) ، إذ الاعتبار اللائق بهذا المقام غير الاعتبار اللائق بذلك واختلافها عين اختلاف مقتضيات الأحوال (10) .
ومقتضى الحال في التحقيق هو الكلام الكلي المكيف بكيفية مخصوصة على ما أشير إليه في المفتاح (11) .
والحال أمر يقتضي أن يُؤتى بالكلام على صفة مخصوصة تناسبه كالإنكار مثلا إذا اقتضى أن يورد الكلام مع صاحب ذلك الإنكار مؤكدا، فالكلام الموصوف بالتأكيد مقتضاه، (12) فمثلا كون المخاطب منكرا للحكم حال يقتضي تأكيد الحكم، والتأكيد مقتضى الحال.
وقولك له:"إن زيدا في الدار مؤكَّدا بِـ"إن"كلام مطابق لمقتضى الحال" (13) .