الصفحة 3 من 20

وهذا يدل دلالة واضحة على أن"مقامات الكلام متفاوتة فمقام التشكر يباين مقام الشكاية ومقام التهنئة يباين مقام الترهيب ومقام الجد في جميع ذلك يباين مقام الهزل، وكذا مقام الكلام ابتداء يباين مقام الكلام بناء على الاستخبار أو الإنكار، ومقام البناء على السؤال يغاير مقام البناء على الإنكار، جميع ذلك معلوم لكل لبيب، وكذا مقام الكلام مع الذكي يغاير مقام الكلام مع الغبي، ولكل من ذلك مقتضى غير مقتضى الآخر (14) ."

وعلى هذه المقامات تتوزع الظواهر الأسلوبية من تقديم وتأخير وتعريف وتنكير وحذف وذكر وقصر وفصل ووصل وإيجاز وإطناب لتحصل المطابقة المطلوبة التي جعلت أساسا لتعريف البلاغة.

وانطلاقا مما سبق يظهر أن الحال والمقام متقاربا المفهوم، والتغاير بينهما اعتباري فإن الأمر الداعي مقام باعتبار توهم كونه محلا لورود الكلام فيه على خصوصية ما، وحال باعتبار توهم كونه زمانا له، وأيضا المقام يعتبر فيه إضافته إلى المقتضى فيقال: مقام التأكيد والإطلاق والحذف والإثبات، والحال يضاف إلى المقتضى فيقال حال التنكير وحال خلو الذهن وغير ذلك (15) .

وقد كان صاحب مواهب الفتاح أكثر وضوحا وجرأة حين ساوى بين المقام والحال في قوله:"فتقرر بهذا أن المقام والحال شيء واحد، وكذا الاعتبار ومقتضى الحال، وأنه لا فرق بين المقام والحال في الحقيقي" (16) .

ومن المصطلحات التي تستعمل استعمال المقام والحال الموضع والمقدار والأقدار والمشاكلة والمطابقة والاقتضاء والظرف والسياق، وجميعها فروع عن أصل ثابت في تفكير اللغويين العرب وإن لم يتبلور على الصعيد الاصطلاحي هو فكرة المناسبة والملاءمة (17) .

ويسميه القنوجي"بساط الحال" (18) ويسميه جي آرفرث"سياق الظرف" (19) وورد في كتاب"النظريات اللسانية والبلاغية عند العرب"باصطلاح"المطابقات النحوية" (20) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت