إن التقديم والتأخير مثلا ليسا سوى نمطين يعبران عن حالة بلاغية عامة تحكم شكل البنية الإسنادية ولا يقدم أو يؤخر عنصر من عناصرها إلا حين يكون ذلك مترتبا عن شروط تداولية أعمق تتكفل بمطابقة المقال -المقدم أو المؤخر- للمقام.
ولهذا ينبغي الإتيان بأجزاء الربط وفقا لترتيبها الطبيعي قبل أو بعد بحسب المقتضى كما يقرر أرسطو (35) لأن مقام تقديم المسند إليه أو المسند أو متعلقاته يباين مقام تأخيره (36) .
وقد تكفلت مباحث علم المعاني بإيضاح مقتضى التقديم، باعتبار أن غايتها"هي النظر الصحيح في إيجاد الفكر الصحيح المناسب لمقتضى الحال أو الاهتداء إلى ما يمكنك من أن تجعل الصورة اللفظية الخارجية أقرب ما تكون إلى صورة الفكر الداخلية كما هي في ذهن المتكلم." (37)
فمقتضى الحال هو الذي يتحكم في تقديم بعض المكونات على بعض.
أما تأخير المسند إليه فلاقتضاء المقام تقديم المسند (38) وهذا كله مقتضى الظاهر من الحال وقد يخرج الكلام على خلافه أي على خلاف مقتضى الظاهر لاقتضاء الحال إياه (39) .
يقول السكاكي بعد إيراد الآيات التالية:
? (وجاء رجل من أقصى المدينة) [ القصص /19]
? (وجاء من أقصى المدينة رجل) [ياسين/19]
? (لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا) [المؤمنون/84]
? (لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا) [النمل/70]
? (إذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون) [النمل/69]
? (أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما) [المؤمنون/83]
? (فقال الملأ الذين كفروا من قومه) [المؤمنون/24]
? (وقال الملأ من قومه الذين كفروا) [المؤمنون/33]
? (آمنّا برب هارون وموسى) [طه/69]
? (رب موسى وهارون) [الأعراف /121] .
"إن جميع ما وعت أذناك من التفاصيل في هذه الأنواع من فصل التقديم والتأخير هو مقتضى الظاهر فيهما، وقد عرفت في ما سبق أن إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر طريق البلغاء، يسلك كثير تنزيل نوع مكان نوع باعتبار من الاعتبارات فليكن على ذكر منك" (40) .