الصفحة 7 من 20

وبهذا يكون اللغويون العرب عند اعترافهم بفكرة"المقام"متقدمين ألف سنة تقريبا على زمانهم، لأن الاعتراف بفكرتي"المقام"و"المقال"باعتبارهما أساسين متميزين من أسس تحليل المعنى يعتبر الآن في الغرب من الكشوف التي جاءت نتيجة لمغامرات العقل المعاصر في دراسة اللغة (29) .

ج - أنواع المقامات وتفاوتها:

لقد تقدمت الإشارة إلى أن بلاغة الكلام هي"كون اللفظ الفصيح معبرا عن المعنى بحسب اقتضاء الوقت الحاضر وبحسب حالة متعلق الكلام من الممدوح والمذموم وغيرهما، واقتضاء الوقت الحاضر مختلف فإن مقام التنكير أو الإطلاق من الممدوح أو التقديم أو الذكر أو قصر الحكم أو الإيجاز ... غير مقام التعريف أو التقييد أو التأخير أو الحذف أو عدم القصر أو الوصل أو الإطناب" (30) .

فمقام الذكاء يناسبه من اللطائف والدقائق الخفية الحاصلة في نفس المعاني المرادة بالتلطف في التعبير بالمجازات والكنايات والإيجازات ما لا يناسب مقام الغباوة من المعاني البادية في نفسها أو بالإيضاح بالعبارات الحقيقية المتداولة (31) .

وكلام الناس كذلك في طبقات كما أن الناس أنفسهم في طبقات، فمنه الكلام الجزل والسخيف والمليح والحسن والقبيح والخفيف والثقيل وكل عربي وبكل قد تكلموا وبكل قد تمادحوا وتعايبوا (32) .

وارتفاع شأن الكلام في الحسن والقبول بمطابقته للاعتبار المناسب، وانحطاط شأنه بعدم مطابقته للاعتبار المناسب (33) .

وهذه المقامات نماذج مجردة وأطر عامة، وأحوال ساكنة ذات مقتضيات يوزن بها السلوك الحي ويصب في قالبها، بهذا يصبح المقام عند البلاغيين سكونيا لأنه حال، أما المتحرك النابض بالحياة فهو السلوك اليومي للفرد الذي يسعى إلى مطابقة هذه القوالب الثقافية (34) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت